حماس من الداخل .. سلسلة حلقات .. الحلقة الاولى ,, للكاتب / زكي شهاب
2007/12/29
في ظل المتغيرات الإقليمية التي حلت بالشرق الأوسط خلال العقدين الماضيين كانت هناك متغيرات كثيرة غيرت مجرى السياسة الإقليمية بالمنطقة وفي هذين العقدين ظهرت حركة حماس في عام 1987 وما تلا هذا الظهور من متغيرات والى ما وصلت إليه حركة حماس من تدهور في القيم والمبادئ والأخلاق وما أحدثت بالقضية الفلسطينية من شرخ كبيير بعد أن سلمت القرار الوطني الفلسطيني المستقل إلى جهات إقليمية وفي هذا الملف نتعرض لحركة حماس من الداخل في تجربة يرويها كاتبنا بقلمه :
في غمرة شعور عارم من الترقب المشوب بالتوتر، أخرجت أمتعتي من الجمارك الأردنية. صباح ذلك اليوم من شهر مايو من عام 1998، حيث كنت أستعد لعبور حدود جغرافية و… نفسيّة! هي المرة الأولى التي أقترب فيها من حدود إسرائيل، وهويتي الفلسطينية تحتم خضوعي لاستجواب مفصل.
ركبت إحدى الحافلات القديمة التي تنقل الركاب بشكل منتظم بين الجانب الأردني من الحدود ونقطة التفتيش الإسرائيلية، بدأت مسيرة اجتيازنا للمنطقة العازلة، أي جسر الملك حسين، إنه ممرّ ضيّق يفصل الأردن عن الحدود الإسرائيلية. راح نظري يجول على الركاب من حولي، أغلبيتهم مثلي، فلسطينيون.
تناوب الجنود الإسرائيليون اليافعون على سؤالي عن الغاية من رحلتي، كانت الاستخبارات الإسرائيلية تشرف على سيل الأسئلة التي انهمرت عليّ بينما خضعت للتفتيش: من سأقابل؟ هل أحمل أيّة أسلحة؟ أين ولدت؟… ولدت في صور، على بعد بضعة أميال من الحدود الإسرائيلية مع جنوب لبنان…
طال الاستجواب، فتنبّهت إلى الواقع: أنا الواقف هنا، على أرض أجدادي، كنت أنا الغريب!
ساور الجنود الشك والريبة، فطلبوا مني الانتظار في قاعة الاستجواب، بينما انتقلوا إلى قاعة مجاورة للتشاور في ما بينهم. لا شيء في تصرفهم يشير إلى نجاح اتفاقات أوسلو.
ما إن وصلت إلى الجانب الإسرائيلي من الحدود، حتى راحت تراودني أسئلة كثيرة عمّا تحضنه تلك الهضاب الصخرية من أسرار تزخر بها هذه الأرض الجميلة، المسكونة بالتوتر. توجّهت إلى مدينة القدس، فصارت تتراءى أمام عينيّ ملامح القصص التي طالما كرّرها والداي وجدّاي على مسامعي، وقد حملوها معهم من أرض الوطن البعيد القريب. شيئاً فشيئاً، فارقني ذاك الشعور بالغربة عندما بدأت تطالعني، عبر النافذة، مناظر لم أعهدها سوى مجرد صور في خيالي.
انتابني شعور غامر: لم أكن أصدِّق أنني وصلت! أخيراً، وصلت إلى القدس!
قرّرت النزول في فندق «أميركان كولوني» لوجوده في القدس الشرقية، أي في الجانب الفلسطيني من المدينة، وكان زملائي قد نصحوني باختيار هذا المكان الحائز رضا قاصديه من المراسلين الأجانب، تجنباً لإحساس محتمل بعدم الانتماء في المدينة المقدسة. انطلقت فوراً في جولة في القدس مع محمد سلهب، وهو صديق كان يسكن حيّا مجاورا لي في غرب لندن، وكان يقيم داخل أسوار المدينة القديمة ويملك متجراً لبيع التحف، على مقربة من المسجد الأقصى، هذا المسجد الذي أدرجته على رأس القائمة التي أعددتها بالأماكن الواجب عليّ زيارتها، يعتبر ثالث الأماكن المقدّسة بالنسبة إلى المسلمين في جميع أرجاء العالم. تنزوي قبته المتواضعة ذات اللونين الفضي والأسود وراء القبّة الذهبية التي يزدان بها مسجد «عمر»، المهيمن على المشهد، في مدينة القدس القديمة.
خرجنا نستكشف الأزقة الضيقة وما تحويه من متاجر صغيرة مكتظة بالبهارات والتحف النحاسية والفضية والخشبية القديمة. كان الفلسطينيون الرافلون بجلابياتهم التقليدية وبكوفيّاتهم المنمّقة بمربعات بيضاء وسوداء كما في لعبة شطرنج، يتحدثون إلى السيّاح المزودين بكتيّبات ودلائل، واليهود الأرثوذكس الذين يعتمرون قبعات سوداء مميزة ويلتحفون المعاطف الطويلة، تملّكني مجدداً شعور دفين بأنني رأيت كل ذلك من قبل: إن تلك المشاهد ذكرتني بكل ما طال وصفه لي من قبل أصدقاء، لسنوات بعيدة خلت، أثناء طفولتي في لبنان.
كان يوم جمعة، يوم العطلة لدى المسلمين. تحدّى الآلاف من الفلسطينيين، شباباً وشيوخاً، رجالاً ونساءً، الإجراءات الإسرائيلية التي تمنعهم الصلاة في المسجد الأقصى، خلال تجوالنا في الأزقة المزدحمة بالناس، أثار محمد دهشتي وفضولي بجمعه كل صحيفة نظيفة أو قطعة من الكرتون يجدها على الأرض، عند اقترابنا من البوابة المؤدية إلى ساحة المسجد، هالني حجم الوجود الإسرائيلي: كان الجنود ورجال الشرطة يتحققون من هوية كل شخص يدخل إلى المكان. في هذه اللحظة، أدركت سبب جمع محمد تلك الأوراق، فقد فرشها على أرض الساحة بديلاً عن سجادة الصلاة. كان الآلاف مثلنا سيصلـّون في الخارج لأن كل شبر من قاعة الصلاة في المسجد كساه المصلون. أعادتني أفكاري إلى والديّ اللذين طالما حلما بالصلاة في هذا المكان بالذات، حيث كنت جالساً. كان توقهما لأداء صلاة كهذه شديداًً للغاية، مما جعلهما يعلقان على جدار منزلنا في مخيم برج الشمالي في لبنان، مجسماً ثلاثي الأبعاد لمبنى المسجد الأقصى وقبته الرمز.
استغرقت زيارتي الأولى إلى الأرض المقدسة شهراً واحداً، لم تكن مجرد زيارة شخصية، لأنني عهدت تغطية فصول القضية الفلسطينية ومآثر قادتها حول العالم منذ عقود. بعد التوقيع على اتفاقات أوسلو عام 1993، عاد هؤلاء القادة إلى بلادهم، وكانوا يحاولون بناء دولتهم. طوال سنوات، بعد عودته من المنفى في تونس، دأب الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات على تشجيعي لزيارته في مقرّه في رام الله وغزّة. كذلك فعل كلٌّ من الزعيم الروحي لـ«حماس» ، الشيخ احمد ياسين، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، أحد قادة «حماس» النافذين.
ما حقيقة «حماس»؟
لقد بات هذا السؤال الأكثر إلحاحاً في منطقة الشرق الاوسط منذ الانتصار المذهل، الذي حققته حركة حماس في الانتخابات التشريعية التي جرت في عام 2006. كيف تعمل فعلياً أجهزتها؟ إلى أي مدى هي حقاً «إسلامية» الطابع والهوية؟ من هي تلك الشخصيات المتخفية وراء البذات المرقطة؟
مستنداً الى معلومات فريدة من نوعها استقاها من مصادره الخاصة، يعرض الصحافي الفلسطيني الاصل زكي شهاب، في هذا الكتاب الجريء للغاية، لظروف نمو «حماس» وتطورها بدعم اسرائيلي ضمني (فقد ابتاعت حركة حماس اول مخبأ لاسلحتها من جهاز الأمن الداخلي الإسرائيلي، الـ«شين بيت»)، بما أن الاسرائيليين كانوا يسعون الى إضعاف حركة فتح.
ويرفع شهاب النقاب عن مدى اختراق أجهزة الاستخبارات الاسرائيلية لصفوف الحركة، وحتى على أعلى مستويات قيادتها. كما أنه، ومن خلال إجرائه مقابلات مع شخصيات مهمة رئيسية، يلقي الضوء على طبيعة حركة حماس من الداخل، ويكشف للمرة الاولى، كيفية انتقاء «الشهداء» وتحضيرهم لتنفيذ عملياتهم. يخوض شهاب ايضاً في حيثيات علاقة الحركة مع تنظيمات أخرى مثل حزب الله والقاعدة، كاشفاً بذلك ارتباطات مثيرة للدهشة.
يسلك شهاب مسارات الانفاق في غزة، ويحتسي الشاي مع أفراد عائلات القادة العسكريين، ويعيد إحياء علاقات قديمة مع أشخاص عرفهم في مخيم اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، فيجمع فصول حقيقة لم يسبق لأحد أن عرف تفاصيلها: «حماس» من الداخل.
قالوا عن المؤلف
زكي شهاب هو أحد أهم الصحافيين العرب. واكب أحداث منطقة الشرق الاوسط طوال 25 عاماً، وأمّن تغطيتها لجانب وسائل اعلام محلية وغربية مثل «الغارديان» و«سي.إن.إن» و«قناة الاخبار الرابعة»، و«بي. بي. سي.» و«نيو ستايت مان»، و«واشنطن بوست». يحتل موقع المحرر السياسي في صحيفة «الحياة» في لندن، وفي الفضائية العربية «إل. بي. سي.». من مؤلفاته «داخل المقاومة في العراق». «يستخدم زكي شهاب مصادر معلومات استثنائية ليضع تقويماً هو الاكثر شمولا حتى الآن، عن حركة لا يمكن تجاهلها في حال السعي الى إقامة سلام شامل ودائم في منطقة الشرق الاوسط. إن كتابه سهل القراءة للغاية، ونظراً لما يمثله من مضمون مهم وبحث معمّق، فهو يفسح المجال واسعاً أمام فهم واحد من أعمق الجراح في العالم، والذي لم يلق علاجاً ناجعاً حتى اليوم».
(جون سنو، بي. بي. سي)
«إن فهم طبيعة «حماس» أمر أساسي لفهم قضية الشرق الاوسط. زكي شهاب هو أحد أفضل معلقينا وأكثرهم اطلاعاً على القضايا العربية. إن هذا الكتاب ضروري للقارئ المتخصص كما للقارئ العادي. إننا نشدّد على ضرورة قراءته».
(جون سيمبسون محرر الشؤون الدولية، بي. بي. سي)
«كتاب زاخر بالاضاءات والتفاصيل. يرشد القارئ الى التقلبات التي جعلت حركة حماس تخرج من رحم المجتمع الفلسطيني لتحتل موقعاً محورياً على الساحة السياسية في منطقة الشرق الاوسط. يتمتع شهاب بقدرة مميزة لكشف النقاب عن هذه القصة بكل ابعادها واعماقها. وهو يحذر: لا يمكن الغاء حركة حماس ما لم يتم وضع حدّ نهائي للاحتلال. وما لم يتحقق هذا الامر، فسيبقى مهيمناً شبح حركات أخرى اكثر تطرفاً وعنفاً.»
(د. روز ماري هوليس مديرة الابحاث في المعهد الملكي للشؤون الدولية)
«شهاب، الصحافي الفلسطيني المرموق للغاية، الذي ولد في مخيم للاجئين، يتمتع بكل المقومات التي تخوّله كتابة هذه الرواية. فهو ينجح، من خلال مقابلات صحافية أجراها مع قادة «حماس» ومصادر فلسطينية أخرى، برسم صورة دقيقة وحيّة لحركة حماس واستشهادييها، ولعلاقة ايران بحرب «حماس» السرية ضد حركة فتح. من خلال قراءة هذا الكتاب، يتبيّن للقارئ أن شهاب تمكن من الاطلاع على بعضٍ من أدق الملفات العائدة لمنظمة التحرير الفلسطينية».
(ديفيد إيغناتيوس كاتب عمود في «واشنطن بوست»)
الفصل الأول: النصر المنسّق
المكان: على بعد مبان ٍ عدّة من البيت الابيض، في مبنى هاري س. ترومان التابع لوزارة الخارجية.
الزمان: يوم سبت، خارج ساعات دوام العمل العادية.
عقدت وزيرة الخارجية الأميركية كوندوليزا رايس وفريق عملها اجتماعاً استثنائياً. على جدول الاعمال، الانتصار الساحق لـ«حماس» في الانتخابات الوطنية الفلسطينية، كيف يعقل أنّ أحداً لم يتوقع حصول ذلك؟ سألت رايس، ثم استرسلت في الإجابة على سؤالها: هذا يعني أننا لم نكن مطلعين بشكل وافٍ على مسار الأمور، بادر أحد مساعديها إلى القول إن هذه النتيجة هي انعكاس مباشر لعمق الانقسامات القائمة بين الفلسطينيين والإسرائيليين، على الرغم من الدعم والتشجيع الذي يلقاه الطرفان من المجتمع الدولي لوضع حدٍّ لخصومتهما المريرة والمديدة. حركة فتح المستأثرة بالسلطة والخاضعة لسيطرة ياسر عرفات منذ الستينيات، كانت قد بدأت مفاوضات سلام مع إسرائيل منذ أكثر من عقد، لكن الفلسطينيين تخلوا عنها، وأدلوا بأصواتهم لمصلحة حركة حماس، التي تجيز استخدام العنف وترفض الاعتراف باسرائيل. كان التصويت تعبيراً واضحاً، بل صارخاً، عن رأي الفلسطينيين في قادتهم السياسيين التقليديين. أضافت رايس: لا أعرف أحداً لم يؤخذ على حين غرّة من أداء «حماس» القوي.
في اليوم التالي، انتقلت رايس إلى لندن للمشاركة في مؤتمر عقد على مدى يومين، حضرته وفود من سبعين دولة، لمناقشة الوضع في أفغانستان والنزاع في الشرق الأوسط والتوتر المتفاقم مع إيران، وفي ما يمثل دليلا ً إضافياً على فشل أميركا في البقاء على اطلاع تام على واقع الأمور، نُقِل عن رايس تعليقها «يقول البعض إن «حماس» نفسها فوجئت من أدائها الجيّد جدّاً»،
لكن الحقيقة هي أن «حماس» لم تُفاجأ؛ لقد ذهل كثيرون من المعلقين الفلسطينيين مما أظهرته رايس وغيرها من المسؤولين الأميركيين، من جهل لعمق العداء الذي يكنّه الفلسطينيون لقيادتهم ولإسرائيل؛ فالفضل في نجاح «حماس» يمكن أن يُنسب، في جزء منه، إلى استراتيجية الخداع المنسّقة بمهارة التي اعتمدتها «حماس».
«حماس» خطّطت للانتصار
اليوم الذي جرت فيه الانتخابات الفلسطينية في 25 يناير عام 2006، شهد مشاركة 1073000 فلسطيني في الاقتراع، التقيت خلاله الدكتور محمود الزهار، أحد قادة «حماس» المرموقين. هو طبيب عُيّن لاحقاً وزيراً للخارجية في أول حكومة تشكلها حركة حماس بقيادة اسماعيل هنـّية. خلال احتسائنا الشاي في منزله وسط مدينة غزّة، ابتسم لي «أبو خالد»، كما يُلقّب، وأخبرني بأن «حماس» قد استعدّت بشكل جيّد لهذه الصدمة المزعومة.
خلال الأشهر الستة التي سبقت موعد الانتخابات، عمِل الموالون للحركة مع قاعدتهم الناشطة، على إبقاء الجميع، بمن فيهم مؤيّدو «فتح» و«حماس»، على غير علم بالفوز المخطط له. وكشف لي الزهار كيف تلقى الناخبون من عناصر الحركة وأنصارها تعليمات بأن يتفادوا الإجابة، إذا استطاعوا، في حال سُئلوا عن مرشحهم المفضل، ولكن إذا أحرجوا بسؤال حثيث وملحّ، فليعطوا جواباً مضللا ً. هذا الأداء أوقع مستطلعي الرأي، قبل أشهر من الانتخابات، في فخ التكهن بأن «فتح» ستتولى مرّة جديدة تشكيل الحكومة المقبلة.
حرج اسرائيلي
ومثلما فوجئت رايس ونشطاء «فتح»، سبق لرئيس هيئة الأركان في الجيش الإسرائيلي، الجنرال دان حالوتس، ان أسرّ عشية الانتخابات، إلى لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، بأنه يتوقع فوز حركة فتح، لكن بأغلبية ضئيلة. كان توقعه مرتكزاً على «حكماء الاستخبارات الإسرائيلية»، في إشارة إلى وحدة الاستخبارات العسكرية الخاصة، «أمان» التي، من بين مهامها، بالإضافة إلى قضايا أساسية أخرى، إصدار تقديرات وتوقعات استخباراتية لحساب رئيس الوزراء وحكومته.
شكّل هذا الفشل في توقع نتيجة الانتخابات إحراجاً هائلاً لوكالات الاستخبارات جميع، وورد في افتتاحية صحيفة «يديعوت احرونوت» السؤال التالي: إن كانوا لا يعرفون ماذا يحصل في الأراضي الفلسطينية، كيف سنعتمد عليهم لمعرفة ماذا يجري في إيران؟
في سياق سعيها إلى إيجاد كبش محرقة، ألبست الاستخبارات التهمة للدكتور خليل الشقاقي، وهو عالم اجتماع واختصاصي في استطلاعات الرأي، زاعمة أنه ضلـّلها بشكل فاضح.
بعد يوم أمضيته في إجراء مقابلات صحافية مع المرشحين والناخبين المتوجهين إلى مراكز الاقتراع، عدت إلى الفندق عبر الطرقات المهجورة التي أضاءها لهيب الإطارات المحترقة. في البعيد، علت أصوات أبواق السيارات يطلقها المؤيدون لحركتي فتح وحماس وممن ينتمون إلى جناحيهما العسكريين. كان الجميع قد استبق إعلان النتائج وباشر الاحتفال بفوز اعتبره محتماً.
قبل تسعة أشهر، وإثر جولة من المحادثات استمرت ثلاثة أيام في القاهرة، حضرتها وفود من ثلاثة عشر فصيلا ً فلسطينياً، أعلن ممثلو «حماس» نيّتهم المشاركة في العملية الانتخابية المقبلة، بعدما كانوا قد قاطعوا انتخابات عام 1996 احتجاجاً على اتفاقية أوسلو التي وقعتها منظمة التحرير الفلسطينية مع الحكومة الاسرائيلية. فسّرت المجموعات الاساسية المسيطرة، كـ«فتح» مثلاً، هذا التغيير في موقف «حماس» على أنه إقرار بالامر الواقع الذي تمثله اتفاقيات أوسلو، وتراجع عن رفضها حق إسرائيل في الوجود.
استراتيجية الانتصار
بعد عودتهم إلى القاهرة من غزّة، تولى قادة «حماس» تعيين فريق لادارة الحملة الانتخابية، مؤلف من خبراء في مجالات الاتصالات وعلم الاجتماع والسياسة والاقتصاد. كلـِّف أعضاء هذا الفريق الإمساك بزمام الأمور في كل المجالات الحيوية داخل المجتمع الفلسطيني، واتخذوا من الجامعة الاسلامية في غزّة حجر الزاوية لاستراتيجيتهم الانتخابية. تمثلت أولى مهامهم في تقسيم الناخبين إلى ثلاث فئات: المؤيدين والمترددين والمنافسين، حظي المترددون بأقصى درجة من الانتباه لأن واضعي الاستراتيجية التابعين لحماس اعتبروا أن أغلبية الناخبين تقع في هذه الخانة. لم تكن خطتهم تقضي باقناعهم القبول بسياسات «حماس» بل إبراز مساوئ سياسة منافسيهم. من خلال استغلال تاريخ «فتح» في سوء الادارة والحكم والفساد والفشل في تحقيق أيّ تقدّم فعلي في المفاوضات مع إسرائيل، استطاعوا إقناع العدد الكافي من المترددين بالتصويت لمصلحة مرشح «حماس».
وفي سعيها إلى اختيار شعار للائحتها الانتخابية، حرصت «حماس» على تجنب ما قد يشير إلى جدول أعمالها العسكري، فاكتفت بشعار متفائل وجامع «من أجل التغيير والإصلاح». هكذا صوّرت «حماس» نفسها على أنها الصوت المعبِّر عن القلق الاجتماعي، وأعلنت أنها ستدخل تغييرات جذرية على حياة الناس. وفي سياق عملها على استمالة أصوات الفلسطينيين، امتنعت الحركة أيضاً عن إبداء أية إشارة إلى طموحاتها بتدمير إسرائيل، كما امتنعت عن التلميح إلى أيِّ تقارب مدروس معها. وأعلن المرشح الثاني للمجموعة، الشيخ محمد أبو طير، في مقابلة أجريت معه خارج المسجد الأقصى في القدس «لن نستبعد إمكان أيّ مفاوضات مع الدولة العبرية». وأضاف قائلاً «تستطيع إسرائيل والدولة الفلسطينية المستقبلية العيش معاً جنباً إلى جنب، على الأقل لمدة جيل أو جيلين». ذكّرني هذا الكلام بما أخبرني إياه، قبل عشر سنوات، الشيخ احمد ياسين، بحضور اسماعيل هنـّية، عن استعداد حركته للتفاوض على هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل. لكن الزعيم الروحي لـ«حماس» كان يشعر باستحالة المحافظة على هدنة كهذه، ففضّل ترك معالجة هذه المعضلة للأجيال المقبلة، بعد زوال مجموعة المقاتلين والسياسيين القدامى، وحلول دم جديد مكانهم. وأردف قائلاً، مع ابتسامة ذات مغزى، إن حدسه ينبئه بأن الدولة العبرية لن تكون موجودة بعد ثلاثة عقود.
يوم الانتخابات، لم تفوّت «حماس» أي فرصة لاقناع الناخبين المترددين بوضع علامة قرب اسم مرشح «حماس». لقد قصد أعضاؤها ومناصروها المساجد والمعارف العائلية والجيران والمدارس وأماكن العمل، وعلى الجبهة الاعلامية كذلك.
أما حجم الأموال التي استثمرتها «حماس» لتحقيق الفوز، فلم يتم تحديده بعد، لكن منافسيها في حركة فتح قالوا إن الأرقام تتراوح بين 22 و30 مليون دولار أميركي، بينما اقتصر الرقم الرسمي الذي حصلت عليه من اللجنة الانتخابية على 3 ملايين.
شارك في التجمعات التي أقامتها حركة حماس في مدينة غزّة عشرات الآلاف من الأشخاص، كانت تعلمهم بعقد هذه النشاطات جداول توزّع مسبقاً في المساجد والمكتبات والمدارس والجامعات، إضافة إلى المعلومات التي تبث عبر الاذاعات المحلية والإنترنت التي تحولت بين أيدي «حماس» إلى أكثر وسائل الاتصال فعالية. لكن كل تلك التجمعات اتسمت بالسلمية والهدوء.
دحلان كان قلقا
يوم الانتخابات، انتشر رجال الشرطة لتنظيم السير ولضبط الحشود. وتم توزيع السندويتشات والمشروبات الباردة على كل العاملين في إطار حملة «حماس» الانتخابية لضمان فعالية أدائهم طوال ذاك اليوم. كانت عملية احتساب الاصوات لا تزال متواصلة في الساعات الاولى من صباح اليوم التالي عندما اتصلت بمكتب الدائرة الانتخابية لنجم «فتح» الصاعد محمد دحلان، مستفسراً عن النتائج. أبلغني أحد مساعديه بأنه يعقد اجتماعاً في دائرة خان يونس الانتخابية، واقترح عليّ الذهاب إلى هناك. حين وصلت إلى ثاني أكبر مدن غزّة، طالعتني قوافل السيارات والشاحنات والحافلات المتقاطرة من رفح القريبة كما من مختلف أطراف مدينة خان يونس، قاصدة مركز الاحتفال بنصر «فتح» في معقل الحركة. لابدّ أن الوافدين استندوا إلى التوقعات الأولية للنتائج التي نشرها مستطلعو الرأي بمن فيهم الشقاقي، واقتبستها عنهم محطات التلفزة كالجزيرة والعربية وغيرها من شبكات التلفزة الاجنبية. كان دحلان في لباس عادي، يتابع الاخبار ويجيب على الكمّ الهائل من اتصالات التهنئة الواردة إليه من كل أنحاء الاراضي الفلسطينية. حاول بكل هدوء أن يلجم حماسة محدثيه الزائدة، وطلب منهم التحلي بالصبر وبانتظار النتائج الرسمية. ثم قرّر القيام بجولة في السيارة عبر شوارع خان يونس لكي يستطلع بنفسه جوّ الناخبين، وطلب مني مرافقته. تعرّف المارّة إلى موكبه، فراح يردّ عليهم التحية بينما نحن متوجهون إلى مستشفى الأمل حيث أقام مكتباً لفريق حملته الانتخابية. دحلان هو السياسي الوحيد من بين من قابلتهم خلال تلك الانتخابات الذي رفض الاستناد إلى الاستفتاءات المستقلة. كان دائم التشكيك في دقة استفتاءات الرأي، مفضلاً الاعتماد على الابحاث التي يقوم بها أعضاء فريقه الانتخابي. كان هؤلاء منكبين، كلٌّ على حدة، على تحليل توجهات الناخبين. لقد وجد مساعدوه صورة مناقضة لتلك التي كانت تقدمها استطلاعات الرأي. كما بدأ يتلقى أنباء مقلقة تفيد بأن عدداً كبيراً من رجال الشرطة الفلسطينية وعناصر الاجهزة الامنية قد صوّت لمصلحة «حماس». وأفادت توقعات مستشاريه بأن نحو %40 من هؤلاء الموظفين الحكوميين التابعين للسلطة الفلسطينية قد صوّتوا لـ«حماس»، مما أدى إلى تغيير النتائج بشكل دراماتيكي لمصلحة منافسيه. أدرك دحلان أن حظوظ حركته في الفوز باتت تتضاءل، فبادر إلى دعوة المتصلين به إلى إفساح المجال أمام انتقال سلميّ للسلطة في حال فوز «حماس» في الانتخابات. وعلى الرغم من خسارة حركة فتح في الانتخابات، فقد استطاع دحلان، إضافة إلى مرشح آخر من «فتح» هو سفيان الآغا، أن يضمن فوزه بمقعد، إذ حصل على أكبر عدد من الاصوات في دائرته الانتخابية بلغ 38349 صوتاً، متقدماً بذلك على منافسه يونس الاسطل الذي نال 37695 صوتاً.
الانتقام من «فتح»
عوامل اخرى ساهمت في فشل «فتح»، في مقدّمها غياب عدد كبير من مرشحيها الذين لم يتمكنوا من إيجاد مكان لهم على لائحتها الانتخابية، فاضطروا إلى الترشح بشكل مستقل. بالتالي، خسرت «فتح» كمّاً بالغاً من الأصوات غنمها هؤلاء المستقلون، بينما شكلت الأرقام العالية التي حققتها «حماس» في مدن مثل غزّة ورام الله، وحتى في مدينة بيت لحم المسيحية بتاريخها وناسها، تصويتاً احتجاجياً ضد «فتح»، أكثر منه تصويتاً تضامنياً مع «حماس».
وكان لفوز «حماس» وقع كبير لاحقا على الحملات الانتخابية الاسرائيلية، بحيث قام سياسيو المعارضة بصبّ جام انتقاداتهم على الحكومة، لفشلها في منع وصول الحركة الاسلامية إلى موقع متقدم.
( الحلقة الثانية )
زكى شهاب / في الفصل الثاني المعنون بـ «ولادة حماس» يواصل الصحافي الفلسطيني زكي شهاب تسليط الضوء على ظروف نشأة وولادة حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، ودور مؤسسها الروحي الشيخ أحمد ياسين في إطلاق الحركة إلى الوجود، وجهوده في حشد التأييد والدعم لها من خلال شخصيته.
كما يتطرق هذا الفصل من كتاب «حماس من الداخل»، الذي تنشر «الجريدة» حلقاته، إلى السر وراء الإعاقة الدائمة التي ظل عليها الشيخ ياسين منذ طفولته حتى اغتياله.
عند الساعة الثانية إلا عشر دقائق من بعد ظهر يوم السادس من يونيو 1989، انهار الشيخ أحمد اسماعيل حسن ياسين، وهو أحد سكان مدينة غزّة، لدى سماعه أثناء وجوده في سجن غزّة المركزي، أصداء الضربات التي اعتقد أن ابنه عبد الحميد يتعرّض لها على أيدي سجانيه الإسرائيليين.
كان قد خضع للتعذيب لأيام عدّة، وهذا ما دفع بالشيخ المُقعد أخيراً إلى تقديم اعتراف كامل عن دوره في إطلاق حركة حماس، حيث كان سبق له أن أنكر كونه «أبا» لحركة حماس، إلا أن الاعترافات التي كتبها رفاقه تحت الضغط والتي وضعته في دائرة الشبهات، مضافةً إلى تعذيب ابنه، أجبرت الشيخ على تغيير موقفه.
أحد الجلادين استدعى المحقق الإسرائيلي شوكي أمزايج الذي يحمل الرقم 54962، وقال له إن الشيخ ياسين أصبح جاهزاً للاعتراف، تزوّد أمزايج بقلم وأوراق، وباشر حثّ الشيخ على الكلام… وبدأ الاعتراف.
حياة ياسين
ولد الشيخ أحمد ياسين عام 1938 في قرية الجورة القريبة من مدينة المجدل الساحلية، في ما كان يعرف تحت الانتداب البريطاني، بفلسطين الجنوبية.
المجدل هي اليوم مدينة عسقلان الاسرائيلية، لكن لايزال يُشار إلى السجن الذي أقيم فيها باسمه الفلسطيني القديم، توفي والده عبدالله وهو لم يتجاوز السنوات الثلاث من العمر، أصبح معروفاً في الحيّ بأحمد سعدى نسبةً إلى والدته سعدى الهبيل، سُمّيَ هكذا لتمييزه عن أولاد أبيه من زوجاته الثلاث الأخريات، كان للشيخ ياسين أربعة أخوة وأختان، فرّوا جميعاً مع أمهاتهم من القرية إلى غزّة خلال نزاع عام 1948، وأصبحوا لاجئين في مخيم الشاطئ القريب من البحر، في القسم الشمالي من مدينة غزّة. في ذلك الوقت، كان المخيم المكتظ يأوي 23 ألف لاجئ، محصورين جميعاً في مساحة تقلّ عن الكيلو متر المربع الواحد.
سر إعاقته
مرّت سبع وثلاثون سنة قبل أن يبوح ياسين لعائلته بالقصة الحقيقية للحادث الذي غيّر مجرى حياته عام 1952، وتسبّب بشلله، فالحقيقة أنه أصيب أثناء مصارعته أحد أصدقائه واسمه عبدالله الخطيب. كان الشاب ياسين خائفاً، فلم يفصح عن هوية الصبي، خشية أن يسبّب ذلك خلافاً بين العائلتين، واختلق قصة مفادها أنه أصيب بهذه الجروح والكدمات أثناء ممارسته لعبة الوثب المتبادل مع زملائه في حصة الرياضة على الشاطئ، بقي عنقه مثبتاً بالجص طيلة خمسة وأربعين يوماً، وبعد إزالة هذا الطوق، تبيّن أنه سيمضي بقيّة حياته مقعداً، كان عموده الفقري قد تأذى، مسبّباً له شللا ً حادّاً في معظم أنحاء جسده، جعله عاجزاً عن المشي أو حتى عن الإمساك بقلم حبر أو قلم رصاص، برغم أنه قدّم طلباً للدراسة في جامعة الأزهر في القاهرة، غير أنه لم يتمكن من متابعة دروسه بسبب تردّي حالته الصحيّة، فاضطرّ إلى الدراسة في المنزل، ما جعله يوسّع نطاق قراءاته لتشمل خصوصاً، المسائل الفلسفيّة والدين والسياسة وعلم الاجتماع والاقتصاد، شمولية ثقافته جعلت منه، وفقاً لقناعة أتباعه، واحداً من أفضل الخطباء في قطاع غزّة، فكانت خطبته الاسبوعية تستقطب حشوداً ضخمة أيام صلاة الجمعة.
بعد سنوات من البطالة، حظي ياسين بوظيفة مدرّس للغة العربية في مدرسة الرمال الابتدائية في غزّة، كان للمدير محمد الشوّا تحفظات حيال الاستقبال الذي سيلقاه الشيخ من التلاميذ، فقد تخوّف من ردود فعل الأطفال التي غالباً ما تكون سمجة إزاء العجز، لكنه أعلن لاحقاً أن ياسين تعامل معهم جيّداً، فازدادت شعبيته، لاسيما في أوساط الطلاب المثقفين، وأثارت أساليب تعليمه ردود فعل متفاوتة لدى الأهل الذين لاحظوا أن أولادهم أصبحوا توّاقين لارتياد المساجد وتحصيل التعليم الديني، وفيما الغالبية منهم كانت سعيدة بالأمر، فإن قلـّة سجلت اعتراضات لدى المدير. يتذكّر الشوّا أحد الآباء الذي قال له إنه موافق على زيارة ابنه للمساجد بهدف تحصيل العلوم الدينية، «لكن هذه الوتيرة السريعة والمكثفة لارتياد المساجد في هذا العمر المبكّر أي بعدل مرّتين في الأسبوع، …(بما أن الشيخ ياسين كان ينصحهم بالذهاب يومي الاثنين والخميس إلى المسجد) غير مقبولة».
ساند المدير المدرّس، فاحتفظ ياسين بوظيفته، بل أصبحت وظيفة ثابتة، الأمر الذي منحه استقراراً ماديّاً، وشجعه على الزواج من إحدى قريباته، حليمة حسن ياسين، في عام 1960، وهو في الثانية والعشرين من العمر، وأنجبا معاً ثماني بنات وثلاثة أولاد.
ساهم الشيخ ياسين في نموّ الحركة الإسلامية في فلسطين، لاقتناعه بأن تلاميذه يجب أن ينالوا تربية إسلامية ويفهموا معنى الجهاد. لكنه كان يعي أيضاً قيمة منحهم ثقافة شاملة.
تحدثت إلى كثيرين من جيله، بمن فيهم الأخ بدر الذي قال لي في عام 1992، إن الشيخ شجّع الشباب على تنظيم فرق رياضية والمساهمة في الوظائف الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى تحصيلهم الدراسة الدينية.
بعد الثورة المصرية وما أعقبها من اعتقالات جماعية لأعضاء في حركة الإخوان المسلمين، وسّع الرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر نطاق إجراءاته الصارمة بحق المنظمة المحظورة لتشمل قطاع غزّة الذي كان آنذاك يخضع للسيطرة المصرية، في العام 1966، تمّ توقيف أعداد كبيرة من الناشطين الفلسطينيين، إذ أن كل شخص يتعاطى السياسة الإسلامية كان موضع شك، وكان الشيخ أحمد ياسين من بين الذين تم اعتقالهم، فقد اتهم مع مجموعة من الشبان الفلسطينيين، بمحاولة قلب النظام في مصر.
بعد سنوات واصل خلالها ياسين الخطابة في المساجد، وتحديداً في يونيو 1967، شنت إسرائيل ما بات يعرف بحرب الأيام الستة، التي يطلق عليها الفلسطينيون تسمية «النكسة». أسفرت هذه الحرب عن فرض إسرائيل سيطرتها على قطاع غزّة بدلا ً من الحكومة المصرية، وعلى الضفة الغربية التي انتزعتها من الأردن، إضافة إلى احتلالها هضبة الجولان السورية.
انطلاقاً من مسجد الشاطئ، باشر ياسين في توسيع رقعة نداءاته، مكثفاً حضوره في مساجد أخرى في المنطقة، وبات صوته الأكثر شهرة في قطاع غزّة، وبدأ بجمع التبرّعات، واضعاً صناديق صغيرة في المساجد لمساعدة المحتاجين والفقراء.
نشط ياسين في الأوساط السياسية الإسلامية في غزّة منذ السبعينيات. كما أعضاء «حماس» الأوائل، تأثر بأفكار الإخوان المسلمين الثوريّة، الذين أنشأوا هذه المنظمة كحركة إسلامية تجديدية، على أثر انهيار الإمبراطورية العثمانية، في مواجهة ما اعتبروه العلمانية الزاحفة وتغريب مصر.
الشيخ يتحرك تنظيمياً
أسس الشيخ ياسين، عام 1976، جمعية إسلامية، وفي عام 1978، برزت الحاجة إلى قيام مؤسسة أكبر وأفضل تنظيماً، لترويج القيم الإسلامية داخل المجتمع الفلسطيني، الأمر الذي يعتبره الإسلاميون مرتبطاً ارتباطاً عضويّاً بمقاومة إسرائيل. في ذلك العام، ساهم ياسين في إنشاء مؤسسة أخرى اطلق عليها اسم «المجمّع الإسلامي»، أوّل عمل قام به ياسين بصفته رئيساً لهذه المؤسسه بين عامي 1973 و1983، (خلفه في هذا المنصب إثر سَجنه أحد رفاقه من مؤسِّسي حماس هو الدكتور ابراهيم علي اليازوري)، تمثل بتسجيلها في دوائر السلطات الإسرائيلية، مُنح الترخيص في غضون ساعتين، إنما بعد أقل من ساعة، أتى الإسرائيليون إلى الشيخ ياسين وسحبوا موافقتهم، مدّعين أنّ خطأ قد حصل، وأُقفل المسجد والحضانة التابعة له، واقتيد الشيخ ياسين والحاج أحمد دلول، وهو عضو آخر في المؤسسه، إلى التحقيق، بتهمة جمع تبرّعات وإنشاء مؤسسة من دون إذن.
شكّل القرار الإسرائيلي القاضي بمنح رخصة إلى المجمّع الإسلاميّ، برغم ما اعترضه من إعادة تقويم واضحة للعيان، مؤشراً لما ستكون عليه السياسة الإسرائيلية غير المعلنة ولكن الرسمية.
كانت الحكومة الإسرائيلية تنظر إلى منظمة التحرير الفلسطينية ذات المنحى الوطني والعلماني، على أنها عدوّها اللدود، وكانت تعتقد أنها ستستفيد من تداعيات التنافس الذي سيقوم حتماً بين المجموعات الإسلامية، التي سمحت لها بالتكاثر والازدهار، والمنظمات الفلسطينية الأخرى، بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية التي هي على طرف نقيض مع تلك المجموعات الإسلامية، فلا يعود من داع ٍ لتدخل إسرائيلي مباشر على الأرض.
في سياق مقابلة معه في مكتبه في غزّة، قال لي مستشار عرفات للشؤون الأمنية محمد دحلان، إن أعضاء في الكنيست سألوا إسحق رابين، وزير الدفاع في حكومة إسحق شامير الائتلافية، عن الدعم المفترض الذي يمنحه لـ «حماس» من خلال تمويل المجمّع الإسلاميّ ونشاطاته، جاء جواب رابين مقتضباً، مؤكداً أن ذلك كان تكتيكاً «لتقويض تأثير منظمة التحرير الفلسطينية». وسئل من قبل عضو آخر في الكنيست عن احتمال عمل «حماس» ضدّ إسرائيل، فردّ رابين: «يمكن مناقشة هذا الموضوع لاحقاً».
كان من المفترض أن تتركز نشاطات المجمّع الإسلاميّ، وفقاً لما تحدّده رخصته، على الرياضة، لكن عملياً، ووفقاً لما اعترف به ياسين، «إننا ننشر رسالة الإسلام، نحفـِّظ القرآن، نبني المساجد والمدارس والعيادات الطبيّة».
عندما أدرك الإسرائيليون طبيعة الأعمال التي التزم المجمّع القيام بها، فرضوا قيوداً قوّضت نطاق المسموح بممارسته، وبرغم ذلك، سرعان ما أصبح المجمّع أكبر مؤسسة في غزّة.
«لم تتوافر لدينا فعليّاً البنية التحتيّة الضرورية لتنفيذ عمليات عسكرية»، كما شرح ياسين في لقاء لي معه في منزله في محلة جورة الشمس في يناير 1999، «لكن في الثمانينيات، كانت قد زادت قوّتنا وبدأنا بتجميع السلاح، العديد منا سُجن بسبب ذلك، لكن عند إطلاق سراحنا عام 1985، كنا قد طوّرنا استراتيجية محدّدة المعالم. حضّرنا أنفسنا وبدأت الانتفاضة».
عام 1983، كان ياسين وقادة آخرون في المجمّع الإسلامي في صدد البحث عن عتاد لتسليح جناحهم العسكري، «مجاهدي فلسطين»، الذي كان ياسين قد أسّسه في العام المنصرم. لم يكن هؤلاء ضليعون بكيفية التزوّد بالسلاح، ما جعلهم عرضة لمراقبة جهاز الاستخبارات الإسرائيلي (الشين بيت). فقد نجحت الاستخبارات الاسرائيلية في اختراق صفوف المجمّع الإسلاميّ وساهمت في عملية تزويد الجناح العسكري بالسلاح (أي بتعبير آخر، نصبت لأفراده الكمائن). نتيجة لذلك، تمّ توقيف الشيخ ياسين والدكتور ابراهيم المقادمة وعبد الرحمن تمرز ومحمد شهاب ومحمد عرب مهارة وآخرين، لحيازتهم أسلحة.
هذه التجربة علـّمتهم أن عليهم توقيت الأمور بدقة، إن هم أرادوا التحرّك تحت نير الاحتلال الإسرائيلي، وعدم استئناف تطوير الجناح العسكري، إلا عندما تنضج الظروف الاجتماعية والسياسية لذلك.
الانتفاضة
مع بدء الانتفاضة، تمكّنت مختلف الحركات الإسلامية التي انضوت تحت جناح «حماس»، من فرض نفسها (مع قليل من الدعم الاسرائيلي) كقوة فاعلة في السياسة الفلسطينية، تتمتع برؤية واستراتيجية مختلفتين جذريّاً عن «فتح»، إلا أنها كانت تفتقر إلى الوحدة والإدارة والتوجيه والاستراتيجية العسكرية المتماسكة، بغضّ النظر عن حيازتها على السلاح. كان ذلك، في جزء منه، انعكاساً لانقسام المجتمع الفلسطيني.
عندما انفجرت الانتفاضة فجأة في مخيم جباليا في 8 ديسم بر 1987، سنحت الفرصة لـ «حماس» أن تحدّد ماهية توجهها العسكري. «اعتدنا أن ننتظر هكذا فرص من أجل تصعيد نزاعنا مع العدو، ويشجعنا على ذلك الدعم والتوافق المتزايدان»، كما شرح لي لاحقاً الشيخ دخان.
في هذا الظرف المفصلي، أثارت حياة ياسين اهتمام المحققين الإسرائيليين في سجن غزّة المركزي، حاورت محامي ياسين في ما بعد، وتمكنت من الاطلاع على المضمون السريّ لاعترافه. قصة تأسيس «حماس» وما لياسين من دور فيها، مسألة معقـّدة، وتفاصيلها لا تزال تثير اعتراضات مختلف المعنيين، لكن ارتباط الاثنين، أي نشوء «حماس» واضطلاع ياسين بدور في تأسيسها، أمر لا يرقى إليه شك.
لقد أمعن المحققون الإسرائيليون في الاستماع إلى الشيخ ياسين المُُقعد في كرسيّه، وهو يصف، بصوته الرفيع الحاد المميّز، ظروف ولادة الحركة:
«قبل شهرين من انطلاقة الانتفاضة في ديسمبر 1987، التقيت الشيخ صلاح شحادة الذي تعرّفت إليه للمرّة الأولى في سجن المجدل، كنت قد قرّرت إنشاء حركة في غزّة للعمل ضدّ سياسة الاستيطان الاسرائيلية ومقاومة الاحتلال وتشجيع الفلسطينيين على المشاركة في جهود المقاومة ضدّ إسرائيل». ويتابع الشيخ ياسين روايته: «أثناء اجتماعنا، اتفقنا على إقامة جناح مسلح وجناح أمني لهذه الحركة الإسلامية الجديدة، على أن يتولى الجناح العسكري محاربة الجيش الإسرائيلي المحتل، فبنى صلاح شحادة هذا الجناح، وكان الهدف جمع أسلحة لاستخدامها في النضال، وكُلـِّف الجناح الأمني بمراقبة وتوقيف المخبرين الفلسطينيين وتجار المخدرات وبائعات الهوى ومنع بيع وشرب الكحول في الأراضي الفلسطينية».
سر تسمية «حماس»
يتذكر الشيخ ياسين أنه «في بدايات شهر ديسمبر 1987، شكّلت مجموعة من الأشخاص لتناقش مسألة إنشاء الحركة. حضر الشيخ صلاح شحادة (40 عاماً) وهو من بيت حانون ويعمل في الجامعة الإسلامية في غزّة، وعيسى النشّار وهو مهندس في الخامسة والأربعين من رفح، والدكتور ابراهيم اليازوري، وهو طبيب صحة عامة من غزّة في الأربعين من عمره، والدكتور عبد العزيز الرنتيسي، طبيب صحة عامة في الأربعين من عمره من خان يونس، وعبد الفتاح دخان، مدير مدرسة من مخيّم النصيرات، ومحمد الشمعة وهو مدرّس في الخمسين من العمر من مخيم الشاطئ». أما كيف وقع الاختيار على اسم «حماس»، فيفيد ياسين أنه «خلال هذا الاجتماع، اتفقنا على تسمية الحركة «حماس» كتصغير لعبارة «حركة المقاومة الإسلامية». كما تقرّر أن يكون كل واحد منا مسؤولا ًعن المنطقة التي يقطن فيها، كان عليّ أن أترأس حركة حماس في قطاع غزّة».
اجتمعت قيادات مختلف الاجنحة تحت مظلة اسم «حماس» في الحفل الذي خصص لإطلاق التسمية على الحركة الوليدة.
كان ذلك الحفل أشبه بعملية سحب بالقرعة أعقبت مداولات مستفيضة تناولت مجموعة كبيرة من الهويات البديلة. وخرج الجسم التنظيمي السياسي إلى الحياة العامة بصفة حركة المقاومة الإسلامية، التي اختصرت إلى تصغير تمثل بحروف (ح م س) هي الحروف التي تستهل كلمات التسمية العربية الأساسية «حركة المقاومة الإسلامية». ورد أخيراً اقتراح بأن تصبح التسمية «حماس»، وهي كلمة عربية تعني «الاندفاع» الذي يجسّد قيم شعار منظمة الإخوان المسلمين: «حق! قوّة! حرية!»
وأضاف الشيخ دخان تفسيراً آخر للاسم المختار «إن اسم حماس أقل إثارة للتهديد. كنا نريد شيئاً لا يخلق انطباعاً أننا منظمة تحارب الإسرائيليين، بل يخفف من حدّة المواقف المناهضة للإخوان المسلمين المقيمين في الخارج، لقد رغبنا أيضاً بتجنب أيّ ردّة فعل سلبية قد تصدر عن الحكومات العربية الأخرى. حماس هي حركة مقاومة، وكما شدّدنا على ذلك في ميثاقنا، إنها ائتلاف لا يرتبط فقط بمنظمة الإخوان المسلمين، إنما هو قادر على استيعاب كل منظمات المقاومة الفلسطينية وأنصارها وأصدقائها.
في تقويم ياسين الوارد في اعترافاته، كما في مقابلاته اللاحقة معي، شكلت واقعة جباليا مجرّد حادث، إذ اعتبر ياسين أنه قاد الانتفاضة بنفسه باسم «حماس».
أما في حسابات أخرى كالتي اعتمدها صلاح شحادة، فإن واقعة جباليا حدث محوري أدّى مباشرة إلى تشكيل «حماس».
في السادس من ديسمبر 1987، طـُعن مستوطن إسرائيلي حتى الموت في المنطقة التجارية الرئيسية في غزّة، وبعد يومين، انحرف سائق شاحنة إسرائيلي مدنيّ عن مساره، واصطدم بسيارة آتية قبالته تقلّ عمّالاً عرباً، في ما صار يعرف بحادثة «مقطورة»، مات أربعة عرب وأصيب الآخرون بجروح بليغة. أذيعت أخبار الحادث عبر أجهزة الراديو، وانتشرت شائعات بشأن جباليا كما النار في الهشيم، مفادها أن ما قيل عنه إنه حادث، هو في الحقيقة انتقام متعمّد نفذه أحد أقرباء الإسرائيلي الذي طـُعن قبل يومين.
الولادة من رحم «الإخوان»
في ذلك اليوم من شهر ديسمبر، دُعيت الهيئة العامة لحركة الإخوان المسلمين في قطاع غزّة، التي كان الشيخ ياسين أحد أعضائها، إلى اجتماع طارئ لمناقشة الأحداث التي وقعت في مخيم اللاجئين في جباليا، وصف صلاح شحادة، القائد المعيّن للجناح العسكريّ في قطاع غزّة، في مذكّراته ليلة ولادة حماس «اليوم الثامن من ديسمبر 1987 هو أحد أيام الله. إنه إحياء ذكرى بداية جديدة ستشعّ ضياءً عبر تاريخ الأمة الإسلامية».
الدكتور عبد العزيز الرنتيسي، الذي خلف الشيخ ياسين بعد اغتياله، وقبل أن يتم اغتياله أيضاً في ما بعد، أكد أن الاجتماع الأول لإطلاق «حماس» عقد في منزل الشيخ ياسين في التاسع من ديسمبر 1987، وشرح الرنتيسي أن «حماس» كانت فرعاً من حركة الإخوان المسلمين الشاملة، وأصدرت أول بيان لها في 14 ديسمبر. حتى ذلك التاريخ، لم يكن هناك جبهة موحّدة تقود الانتفاضة في الضفة الغربية وغزّة. أوقف الإسرائيليون الرنتيسي لمشاركته في تأسيس حماس وتوزيعه بيانات.
لقد وصف الرنتيسي كيف أن «حماس» وضعت نصب عينيها تولي السلطة السياسية «كما العديد من الحركات الناجحة، بدأت من الصفر ولم تكن في البداية، منظمة عسكرية.»
كان من المقرّر أن يبدأ الاجتماع الطارئ في الساعة الثامنة مساءً، إذ يوفر مساء الشتاء المعتم ظروفاً أمنية فضلى. وصف صلاح شحادة الجوّ السائد في تلك الليلة من شهر ديسمبر بـ «البارد، إلا أن الدم الذي كان يدبّ في عروقنا كان كفيلاً بمنحنا الشعور بالدفء».
قوّم الأعضاء السبعة ما حصل في مخيّمات وشوارع قطاع غزّة، فكانوا متفقين على ضرورة تصعيد المواجهة بجميع أشكالها.
أعلن شحادة أنه توصّل إلى خطة «لإشعال النار في كامل قطاع غزّة ومهاجمة الإسرائيليين، ليس فقط بقيام الشبان برشقهم بالحجارة، ولكن بتجنيد كل الشعب الفلسطيني في عمل ذي منحى عسكري».
طوال فترة محاكمته التي دامت سنة، شرح الشيخ ياسين للمحقق الإسرائيلي كيف تمّ إنشاء فرع «حماس» في الضفة الغربية «في يناير 1988، قام جميل حمامي، العضو في حركة الإخوان المسلمين في الضفة الغربية، بزيارة ياسين في منزله في غزّة. كان حمامي يعمل ويدرّس في معهد أبو ديس للشريعة وعيّن لاحقاً قيّماً رئيسياً على مدينة بيت لحم، كان يتمتع بشعبية كبيرة على مستوى القاعدة. سأله الشيخ ياسين: لماذا لا تساهم في الانتفاضة بالضفة الغربية؟»، فوافق على إنشاء فصيل هناك.
تسمية الأقسام
قبل قيام الانتفاضة، كان كلّ جناح من أجنحة «حماس» يعمل بشكل مستقلّ عن الآخر، من دون تمتع أيٍّ منها بأسماء أو أجندات محدّدة.
بعد الاجتماع التأسيسي في 8 ديسمبر 1987، باتت تلك الأجنحة منضوية ضمن هيكلية تنظيمية موحّدة، وقد خصّص كل واحد منها بوظائف معيّنة تشمل مجالات السياسة والاتصالات والأمن والشباب والانتفاضة والسجناء.
القائد القسام… مصدر إلهام
تحوّل قتال الشيخ عزّ الدين القسّام ضدّ الاحتلال البريطاني إلى مصدر لإلهام «حماس» في معركتها الخاصة ضدّ قوات الاحتلال الاسرائيلي، وقسّمت «حماس» تنظيمها إلى وحدات قيادة منفصلة بعضها عن بعض، كل واحدة منها تتكفّل باتمام وظائف عدّة، تماماً كما فعل القسّام. وفي لفتة رمزيّة، اعتمد اسمه كنيةً لجناح حماس العسكري.
خلافاً لفصائل فلسطينية أخرى، افتقر أعضاء «حماس» إلى الخبرة والقدرة على خوض الحملات العسكرية، بما أن ثقافة حركة الإخوان المسلمين التي نشأوا عليها لم تكن صدامية عموماً، كان ذلك لمصلحتهم في المراحل الأولى، إذ خلق لدى الإسرائيليين انطباعاً خاطئاً، فلم يتعرّضوا لهذه الحركة اليافعة ذات النشاطات الثقافية السلمية ظاهرياً.
والد الحركة
شكّل وجود قائد قوي تتوحّد حوله الحركة اليافعة ضرورة في الأيام الأولى لنشوء «حماس» وانطلاق الانتفاضة، والشيخ أحمد ياسين صاحب الكاريسما الساحرة التي يعزّزها علمه وتقشفه وشجاعته، طابق المواصفات.
(الحلقة الثالثة)
علاقات «حماس» الدولية
مع اكتساب «حماس» المزيد من الدعم خلال سنوات الانتفاضة الاولى، قامت بإضافة قسم الشؤون الخارجية إلى بنيتها السياسية، في ذلك الوقت، شعرت قيادتها بأنها قوية بما يكفي لكي تستقل عن حركة الاخوان المسلمين وتصبح كياناً قائماً بذاته.
عندما أقامت «حماس» مكتباً سياسياً لها في الاردن، كانت أقنية الاتصال مع الحكومة المضيفة تمرّ من خلال أجهزتها الامنية، فيما كان الشيخ ياسين في السجن، نقلت القيادة إلى الدكتور موسى أبو مرزوق الذي منعته إسرائيل من العودة إلى غزّة في عام 1989، فاستقر في الاردن.
على المستوى السياسي، كانت العلاقات جيدة نسبياً مع الاردن، خصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت، ما أرغم قادة «حماس» في الكويت على الانتقال الى العاصمة الاردنية عمّان.
ظن الكثيرون في ذلك الوقت، بأن الحكومة الاردنية ستستخدم «حماس» كأداة تفاوض في أي نزاع قد يندلع مع منظمة التحرير الفلسطينية.
لكن الدولة المضيفة بدأت تنقلب على «حماس» عندما أغفلت عن إبلاغ الحكومة الاردنية بنيّتها التخطيط لعمليات عسكرية انطلاقاً من عمّان، تمهيداً لتنفيذها في الاراضي المحتلة، كذلك، لم تعرف قيادة الاخوان المسلمين في الاردن أي شيء عن نيات «حماس».
في عام 1991، تظاهرت حركة الاخوان المسلمين وقيادة «حماس» بالاستغراب والمفاجأة، عندما ابلغها مسؤول أمني رفيع المستوى في الاردن بأن حكومته داهمت أربعة مخابئ كبرى للاسلحة في العاصمة الاردنية، تحوي رشاشات ثقيلة ومدافع، لقد قدرت قيمة الاسلحة المصادرة بنحو مليون دينار اردني أو 1،5 مليون دولار أميركي، واعتقل تسعة ناشطين من «حماس» وسجنوا لمدة تسعة أشهر، إلى أن أطلق العاهل الأردني سراحهم بموجب عفو ملكي.
كانت هذه بداية نهاية سياسة التسامح التي اعتمدتها الحكومة الأردنية مع «حماس»، فقد تشددت في مواقفها ضدّ الحركة، وبدأت تراقب نشاطاتها عن كثب، ثم شرع كل من الحكومة الأردنية والجناح العسكري لـ «حماس» يبحث عن آلية لادارة علاقتهما.
في عام 1993، عقد لقاء في مكتب رئيس الوزراء الاردني زيد بن شاكر، حضره قادة «حماس»، الدكتور أبو مرزوق وإبراهيم غوشه، ومحمد نزال وعماد علمي وغيرهم، تلا هذا الاجتماع لقاء آخر جرى في مقر قيادة الاستخبارات العامة، من أجل تحديد طبيعة العلاقة وإبلاغ الحركة بما هو مسموح لها القيام به وما هو ممنوع عليها، فقد أبلغت «حماس» بكل وضوح بأنه يحق لها فقط ممارسة النشاطات الاعلامية والسياسية التي لا تعرّض المصالح الاردنية للأذى، بالتالي، كانت النشاطات العسكرية ممنوعة، وأصبحت أجهزة الاستخبارات الأردنية تراقب «حماس» بارتياب وشك، خوفاً من ان تتحول إلى منظمة عسكرية تهدد الامن الاردني الداخلي. فصارت تعتقل قياداتها كلما شعرت بأن هناك سبباً يدعو إلى القلق، وقد ازدادت تيقظاً بعدما وضعت يدها على اسطوانة مدمجة تحتوي معلومات مفصلة عن نشاط المنظمة في الضفة الغربية وغزّة، في نوفمبر من عام 1995، ما أدى إلى مزيد من الاعتقالات.
كما فعلت «فتح» في أواخر الستينيات، بدأت «حماس»، في بداية السبيعنيات، تعلن مسؤوليتها عن هجمات تنفذها داخل اسرائيل، فقامت الحكومة الاردنية، بحكم اتفاق السلام الذي وقعته مع اسرائيل في عام 1994، بترحيل الدكتور أبو مرزوق وعماد علمي.
اعتقل أبو مرزوق لاحقاً في الولايات المتحدة وألصقت به تهم غير مثبتة بممارسة الارهاب، وعلى الرغم من علاقة الاردن المتوترة مع «حماس»، لعب الملك حسين دوراً في اطلاق سراح أبو مرزوق، وفي عام 1997، أعطى الاذن إلى الولايات المتحدة بترحيله مجدداً الى الاردن.
على الرغم من هذه المواقف، ومن بينها تلويح الملك الأردني الراحل حسين بإعدام عميلي الموساد اللذين حاولا اغتيال خالد مشعل، ازداد التوتر بين «حماس» والحكومة الاردنية، أقله لأن الحركة باتت تهدد التوازن القائم بين الحكومة وحركة الاخوان المسلمين الاردنية.
لقد اشتكت جماعة الاخوان المسلمين الى المرشد العام للحركة في مصر، مصطفى مشهور، بشأن تصرفات مشعل والقرارات التي يتخذها في الأردن، من دون استشارتها.
اعتقلت الاستخبارات الاردنية عدداً من أعضاء «حماس» المعروفين بمجموعة «الرصيفة»، في الجزء الاول من عام 1999، ما أثار انزعاج قيادة الاخوان المسلمين.
تضاعف هذا التباعد، في منتصف عام 1999، عندما اعتقلت الاستخبارات الاردنية اثنين من حراس مشعل الشخصيين لعدم حيازتهما رخصاً لاسلحتهما.
اقفال مكتبها
في 29 أغسطس من عام 1999، أصدرت الحكومة الاردنية بياناً تشير فيه إلى اقفال مكتب «حماس» في عمان، ومنع نشاطاتها، كما اصدرت مذكرة اعتقال بحق رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ورفاقه.
بعد ثلاثة أسابيع، حشد الفرع الاردني لحركة الإخوان المسلمين أعضاءه وحلفاءه في مختلف الاحزاب والاتحادات السياسية لشنّ حملة ضد قرار الحكومة الأردنية. إلا أن ثلاثة من قادة «حماس»، بمن فيهم مشعل، الذين كانوا في زيارة إلى طهران، أذعنوا لقرار الحظر، وقرروا السفر إلى دمشق من أجل التفكير بالوضع المستجد وتفادي أي مواجهة مع السلطات الاردنية.
بهذا القرار، بلغت العلاقة بين «حماس» والاردن دركاً عميقاً ما كان يمكن تصوره يوم تدخل الملك حسين لانقاذ حياة مشعل قبل عامين، في تلك الفترة الذهبية السعيدة من هذه العلاقة، كان أبو مرزوق قادراً على الاتصال بالملك على خطه الهاتفي الشخصي، لكن زمن التعاون والتفاهم المشترك بين «حماس» والاردن انتهى إلى الأبد.
بعد ذلك، سادت الفوضى على مستوى القيادة الخارجية لـ «حماس»، الأمر الذي أدّى إلى إمساك قاعدة «حماس» في غزّة بالسلطة وسيطرتها على قرار الحركة السياسي.
مع قطر
في أوائل التسعينيات، بنت «حماس» صداقة مع قطر، عندما كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لا يزال ولياً للعهد، ثم تعززت تلك العلاقة عندما اصبح الشيخ حمد أميراً للبلاد في عام 1995.
كان مشعل قد ادّعى بأن الأردن يبحث عن عذر لانهاء وجود «حماس» في البلاد، مستغلا الشائعات التي تفيد عن العثور على الاسلحة وغيرها من الامور، وأعلن بأن لا صحة لأيّ من هذه الاتهامات. وافق الأردن على إطلاق سراح مشعل وغوشه شرط أن يغادرا البلاد، فتمّت مرافقتهما من السجن، في الأول من شهر نوفمبر من عام 1999، ونقلا إلى مطار ماركا في عمان، حيث استقلا طائرة خاصة، معصوبي الأعين وأيديهما مكبّلة وراء ظهريهما.
كان محمد عبدالله المحمود من وزارة الشؤون الخارجية القطرية على متن الطائرة، مكلفاً بنقل ناشطي «حماس» إلى العاصمة القطرية، الدوحة. ويذكر مشعل: «بقينا في قطر مدة عامين، حاولنا خلالها معالجة مشكلتنا مع الاردن، لكننا لم ننجح في ذلك».
عندما قام الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، وزير الخارجية القطري، بزيارة إلى الاردن قبل ترحيل مشعل إلى الدوحة، عقد لقاء خاصاً مع الملك حسين بحضور رئيس الوزراء الأردني، عبد الرؤوف الروابدة، وأثار وزير الخارجية القطري مسألة سجناء قيادة «حماس» في الاردن، وطلب إذن الملك لكي يتم ترحيلهم إلى قطر.
على سبيل المزاح، يقال إن الملك حسين علق بما يلي «لم تحتاج اليهم؟»، فكان جواب الشيخ حمد بن جاسم بأن «حماس» ستوفر للدولة القطرية غطاء مقبولاً، بما أن قطر تنوي إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل «باستقبالنا حماس ضيفة علينا، فإن هذا سيبقينا على علاقة جيدة بغيرنا من الحكومات العربية الاخرى».
كانت قطر تمارس لعبة ثلاثية الأبعاد. فهي حكومة عربية لديها أوثق العلاقات مع واشنطن، وتستضيف مقر قيادة القوات الاميركية في منطقة الخليج، أضف إلى ذلك، أنها استقبلت قادة معظم الحركات الفلسطينية الاسلامية المتطرفة، وثالثاً، من خلال قناة الجزيرة الفضائية، كانت تقدم بشكل علني مجالاً للمسؤولين الاسرائيليين لإبداء آرائهم.
لكن مشعل أنكر قيام الحكومة القطرية بأي جهود للتوسط بين «حماس» وإسرائيل، وقال «سياستنا معروفة جيداً، وليست لدينا أي نية في أي وقت، للاتصال بالجيش الصهيوني».
العلاقة بإيران
أهم علاقات «حماس» اليوم هي تلك التي تقيمها مع سورية وإيران، والعلاقة المثيرة للاهتمام هي تلك التي تقيمها بطهران، التي لطالما خصّت المجموعات الشيعية بدعمها، فيما «حماس» هي حركة مسلمة سنيّة، غير أن الارتباط بإيران أمر واقع طال أمده وأصبح متجذراً، وقد كنت شاهداً على بدايات نشأته.
بعد سقوط آخر شاه في إيران، محمد رضا بهلوي، وصل إلى مطار طهران الدولي، الإمام روح الله موسوي خميني، عائداً من منفاه في فرنسا، مظفراً. لقد حظي باستقبال الأبطال، إذ حضرت للقائه أعداد هائلة من المناصرين قدّروا بستة ملايين. لقد نصّب الخميني نفسه مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية الجديدة العهد.
في ظل القيادة الدينية لآية الله الخميني العظمى، انتخب أبو الحسن بني صدر رئيساً، وأصبح مصطفى محمد نجار وزيراً للدفاع، وعيّن محسن رفيق دوست قائداً للحرس الثوري.
لقد أنشئ الباسداران، كما هو معروف في إيران، لحماية نظام الثورة ومساعدة رجال الدين الحاكمين في تفعيل تطبيق الشرائع والقيم الإسلامية.
قبل خمس سنوات، نظم رجل دين إيراني نافذ تجمعاً في مدينتي صور، لم يُشهد له مثيلا ً على الأرجح منذ أيام حكم الرومان. جاء ذلك عقب تجمع حاشد مماثل أقيم في بعلبك، فوفد أكثر من مئة ألف شيعي مسلح من جميع أنحاء البقاع وجنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، دعماً لحركة سياسية جديدة أطلقت عليها تسمية أفواج المقاومة اللبنانية وعرفت لاحقاً بـ «أمل» كاختصار لتلك التسمية.
قال الإمام موسى الصدر، وهو رجل دين ذي شعبية كبيرة في المنطقة، إن إطلاق هذه الحركة كان ضرورياً لأن الاعتداءات الإسرائيلية قد بلغت حدّها الأقصى، والسلطات اللبنانية فشلت في تأدية واجبها بحماية المواطنين. لقد شعر بأنه مجبر على تنظيم صفوف الشيعة ضمن فصيل مسلح، لحماية القرى اللبنانية الجنوبية التي كانت تتعرّض للقصف بشكل متواصل خلال المواجهات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، فالمنظمة كانت تطلق هجماتها من قواعدها العسكرية في الجنوب. كان لبنان آنذاك على شفير حرب أهلية والفئات الطائفية الأخرى – المسيحيون والدروز والسنة – كان سبق لها أن نظمت صفوفها سياسياً وشكلت ميليشيات فاعلة، أما الإقطاعيون الأثرياء فقد غادروا المنطقة عندما حوّلتها المجموعات الفلسطينية المسلحة إلى معقل حصين لها بعدما طردها الملك حسين من الأردن في عام 1971. كان هؤلاء المقاتلون أو الفدائيون كما كان يحلو لهم التعريف عن أنفسهم، قد اشتبكوا مع جيش الملك حسين في محاولة لقلب نظام الحكم الملكي في الأردن. إذاك، أعلن العاهل الأردني الأحكام العرفية، وفرض الجيش الأردني سيطرته على الأرض، وأجبر الفدائيين على المغادرة. فتوجّهوا عبر سورية إلى المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، متخذين منها قاعدة انطلاق لعملياتهم ضدّ المستوطنات المنتشرة على طول حدود إسرائيل الشمالية.
لسنوات طويلة نشأت خلالها في مخيم برج الشمالي، كان يعتبر زعيم فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بطلا ً، أذكر سماعي المسؤولين الكبار في «فتح» يحثون أتباعهم، بناءً على تعليمات صادرة عن عرفات، على تزويد ميليشيا «أمل» الحديثة العهد والهادفة إلى إحياء الدور الشيعي بالسلاح الذي يتوافر لديهم. كسب التحالف بين حركتي فتح وأمل تأييداً شعبياً عارماً. وقد عمد الإمام الصدر، في مناسبة التجمع الحاشد الذي دعا إليه في صور، إلى إصدار فتوى دعا فيها إلى وقف أي نوع من أنواع المساعدة للإسرائيليين في حربهم ضدّ الفلسطينيين. فذاع قوله الشهير «إن التعامل مع إسرائيل حرام وضدّ إرادة الله».
لم يقتصر الوجود الإيراني في لبنان في ذلك الحين على الثوار المناهضين لحكم الشاه، فقد كان الحزب الشيوعي الإيراني «توده» وسواه من الحركات العلمانية أمثال «مجاهدي خلق»، من الحاضرين على الساحة اللبنانية، لقد انضموا إلى الفصائل الفلسطينية اليسارية الناشطة في لبنان في السبعينيات، وأصبحت الشخصيات السياسية الإيرانية وجوهاً مألوفة بالنسبة لي عندما بدأت العمل الصحافي في عدد من المطبوعات الفلسطينية واللبنانية، كان ممثلوهم يزورون مكاتب الصحف في بيروت، بشكل منتظم، لتسليم بيانات صحافية يعلنون فيها معارضتهم لنظام الشاه في طهران.
من دون تلقيهم أيّ دعوة لزيارتها، توجه عرفات والمسؤولون الثمانية والخمسون في منظمة التحرير الفلسطينية إلى طهران في 18 فبراير من عام 1979، بعد أيام قليلة على انتصار الثورة الإسلامية، كان من المقرّر أن يعقد عرفات في موسكو اجتماعات عمل إلى موائد غداء، تعقبها محادثات إلى طاولة الفطور في واشنطن، في مساع ٍ تهدف إلى كسب ودّ أي حكومة، بغضّ النظر عن توجهاتها السياسية، إن كانت ستؤثر إيجاباً على مسار الأزمة في الأراضي الفلسطينية. في تلك المرحلة المبكرة من إحيائهم المسيرة الإسلامية، فوجئ الثوار الإيرانيون بهذه الزيارة غير المقرّرة لشخصية أجنبية رفيعة المستوى. إلا أن عدداً كبيراً من المسؤولين الرسميين الإيرانيين كان في استقبال عرفات في المطار، وقد وفروا للزائر الكبير أفضل ظروف الإقامة في أرقى عنوان في العاصمة الإيرانية، في النادي الحكومي السابق في شارع «فرشته» شمال طهران.
إحدى الأحجيات الإيرانية تطرح السؤال الآتي «متى كانت المرّة الأولى التي ابتسم فيها آية الله الخميني؟» فيأتي الجواب: «المرة الأولى والوحيدة التي ابتسم فيها آية الله الخميني حين جلس إلى جانب السيد عرفات في طهران عام 1979.
لقد رحّب الزعيمان أحدهما بالآخر وتصافحا وتعانقا، حينها، تمّ التقاط صورة نادرة لآية الله الخميني، ذاك الرجل الطويل ذي اللحية البيضاء، في ثوبه وعمامته السوداوين، وهو منحن ٍ نحو عرفات الذي علت وجهه إمارات التعب وزيّنت هامتهه كوفية مرتبة بدقة، لقد تجمّدت على وجه الخميني المتجهم عادة، ابتسامة ملتبسة على غرار تلك التي تعلو ثغر الموناليزا، والتي استعصت على التفسيرات والتحليلات. لمناسبة هذا اللقاء الوديّ، أعلن الخميني أن الثورة الإسلامية «ماضية قدماً حتى تحرير القدس».
بعد ساعات من وصوله، دُعي عرفات إلى اجتماع مع آية الله الخميني دام ساعتين، وفوجئ عرفات للغاية بحدّة انتقاد الخميني للسياسة التي تنتهجها منظمة التحرير الفلسطينية، وبالمحاضرة التي طالعه بها «بشأن ضرورة التخلي عن توجهاته اليسارية والقومية وترسيخ القضية الفلسطينية على جذور إسلامية».
في خطوة لا بدّ أنها أمتعت الزعيمين، سلم الخميني عرفات مفاتيح ما كان سفارة إسرائيلية في طهران، ليصبح مقرّاً للبعثة الديبلوماسية الفلسطينية. وتمّ تعيين كبير المستشارين السياسيين لعرفات، العضو في اللجنة لمركزية لـ «فتح»، هاني الحسن، سفيراً فلسطينياً في طهران، تكريساً للتحالف الوثيق الذي قام بين الجهتين. ووفرت الحكومة الإيرانية الجديدة دعماً مالياً سخياً للمجموعات المعادية لإسرائيل، وصار التلفزيون الإيراني الرسمي يصف عمليات التفجير الانتحارية بـ «العمليات الاستشهادية».
لوحات إعلانية ترفع شعارات صاخبة من نوع «العدالة لفلسطين!» انتشرت في مختلف أرجاء البلاد، وكل مدينة إيرانية كبرى أطلقت اسم «فلسطين» على بعض من ساحاتها العامة وطرقاتها وشوارعها.
عندما زار عرفات إيران مجدّداً في 28 فبراير من عام 1981، حلّ مكان الابتسامة اللمّاحة التي علت شفاه آية الله الخميني، جموع عدائية احتشدت أمام فندق هيلتون احتجاجاً على التخلف الفلسطيني عن دعم إيران في حربها ضدّ العراق.
ظنّ صلاح زواوي، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في إيران، أن مرحلة إذلال إيران لمنظمة التحرير الفلسطينية قد بلغت حدّها، عندما استعرت نيران الانتفاضة الفلسطينية عام 1987. لقد تعمّد المتحدثون الإيرانيون ووسائل الإعلام الإيرانية التقليل من دور منظمة التحرير الفلسطينية، فيما ضخموا حجم مساهمة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في إذكاء نار الانتفاضة.
لقد حُسمت العلاقة بالضربة القاضية: يوم أحد في أواخر شهر نوفمبر من عام 1994، اقتحم طلاب ومتظاهرون من الحرس الثوري مقرّ السفارة الفلسطينية، مندّدين بمنظمة التحرير، دام الحصار ست ساعات، احتجز أثناءه السفير وموظفو السفارة كرهائن احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو.
في بداية التسعينيات، قال لي ابراهيم غوشه، المتحدث باسم «حماس» في الأردن، إن علاقة «حماس» بإيران بدأت بعد وقت قصير من اجتياح العراق للكويت في الثاني من شهر أغسطس من عام 1990، حينها، كانت «حماس» عضواً مشاركاً في وفد يمثل الحركات والمنظمات الإسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية.
في شهر أكتوبر من عام 1991، تلقى غوشه دعوة للمشاركة في مؤتمر أقيم في طهران دعماً للانتفاضة. قال غوشه «لقد عقدنا اجتماعات على أعلى المستويات، ووافقت إيران على أن تفتح «حماس» مكتباً لها في طهران، فعيّن عماد العلمي الذي أبعده الإسرائيليون عن الأراضي الفلسطينية، ممثلاً لنا في العاصمة الإيرانية».
سورية
ترقى العلاقة الوثيقة الجامعة بين «حماس» وسورية إلى بداية التسعينيات، عندما كانت الانتفاضة الأولى لاتزال في مرحلة نشوئها وتحوّلها إلى صراع عسكري شامل.
بالتنسيق مع إيران، عارض الطرفان تفرّد عرفات في عقد اتفاقيات السلام في أوسلو ومدريد، الأمر الذي عمّق أواصر علاقتهما. عدا أن لقاءات عرفات الكثيرة بالرئيس السوري حافظ الأسد كانت، في أفضل الأحوال، فاترة.
ففي شكل عام، كان كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بشيء من الريبة، وكان عرفات مقتنعاً بأن سورية تريد أن تحظى بالكلمة الفصل والأخيرة في أي حلّ للقضية الفلسطينية. مازلت أتذكر يوم حضرت للمرّة الأولى وأنا صحافي شاب، اجتماعاً للمجلس الوطني الفلسطيني انعقد في جامعة دمشق عام 1979. كانت تلك من المرات النادرة جدّاً، إن لم تكن الوحيدة، التي حضر فيها الرئيس حافظ الأسد اجتماعاً للمجلس الفلسطيني في المنفى.
في خطابه، أشار الأسد إلى فلسطين على أنها «القسم الجنوبي من سورية»، عرفات الذي ألقى الكلمة الختامية لأعمال المؤتمر، ردّ عليه بشيء من المزاح، مطلقاً على سورية تسمية «القسم الشمالي من فلسطين».
إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، أخرج عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من البلاد، بعدما توافرت لهم ضمانات بتأمين سلامتهم، عوض أن يقع اختياره بشكل بديهي على دمشق كمقرّ ينتقل إليه، لما من حضور فلسطيني لافت فيها، اختار عرفات التوجه إلى تونس، حيث يمكنه، بحسب اعتقاده، أن يحافظ على استقلاليته، الأمر الذي أثار امتعاض الرئيس السوري.
عندما قام عرفات لاحقاً بزيارة سورية، آتياً من تونس، تمّ إبلاغه بأنه شخص غير مرغوب به، وطلب منه مغادرة سورية.
لم يكن عرفات معتاداً أن يتعرّض لصفعات ديبلوماسية، رافقه إلى المطار ضابط استخبارات سوري ذو رتبة متواضعة، للتأكد من مغادرته البلاد على وجه السرعة.
في السنوات اللاحقة لـ «أوسلو»، صارت أواصر العلاقات السياسية بين إيران وسورية و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» تشتدّ إثر كل هجوم استشهادي تتبناه هذه المجموعات، أو بعد كل عملية عسكرية تعلن مسؤوليتها عنها.
افتتحت «حماس» مكتباً إعلامياً لها في دمشق، وسرعان ما انتقل أعضاء المكتب السياسي في الحركة إلى العاصمة السورية، حيث استأنفوا نشاطهم في إطار «تحالف الفصائل الفلسطينية العشر»، وأخذوا يعقدون الاجتماعات دوريّاً لتنسيق نشاطاتهم والتوصل إلى تفاهم بشأن كيفية مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية. وصارت علاقة «حماس» بسورية تزداد صلابة كلما ازداد حجم التأييد لـ «حماس» في الضفة الغربية وغزّة.
الارتباط بـ «القاعدة»
بعيد غروب الشمس ، يوم 24 أبريل 2006، وقعت بشكل متزامن، ثلاثة انفجارات دمّرت مطعم «آل كابون» والمركز التجاري «الغزالة» وجسر مشاة خشبي يرتاده، عند حلول المساء، المتنزهون في منتجع «دهب» البحري في سيناء. انهمرت قطع الركام والأثاث وشظايا الزجاج القاتلة على السياح المرعوبين الجالسين لتناول العشاء أو المتجولين بين محال بيع التذكارات في أسواق «دهب». كانت تلك نهاية ذاك اليوم الهادئ الذي أمضوه في الغطس بين الصخور المرجانية التي يزدان بها خليج العقبة واستحال مساؤه عنفاً وإرهاباً ورعباً.
لاحقا لتحقيقات مكثفة أبدت أجهزة الأمن المصرية عدم ارتياحها إزاء «حماس»، وذلك بسبب الحماية والأمان اللذين وفرتهما «حماس» لبعض المتورطين في هذه الموجة من عمليات التفجير الانتحارية التي استهدفت ما بين عامي 2004 و2006 منتجعات سيناء.
وعبّر رئيس جهاز الاستخبارات المصرية الجنرال عمر سليمان لوزير الداخلية، العضو في «حماس»، سعيد صيام عن انزعاج مصر، في مستهل زيارته إلى القاهرة بعد أسابيع.
عقد اللقاء في 27 مايو 2006 في مكتب سليمان الخاص في مجمع ضخم من الأبنية يشبه مدينة مصغرة، واجه سليمان صيام بوثائق مفصلة عن المؤامرة الكامنة وراء هجمات سيناء. بين الأدلة وردت اعترافات ثلاثة أعضاء من «حماس» اعتقلتهم قوات الأمن المصرية.
قال سليمان لصيام «من جهة، أنتم تطلبون منا أن نساعدكم، بينما من جهة أخرى، أنتم تتدخلون في شؤوننا الداخلية».
كان سليمان مزوّداً بملف حافل بالأدلة التي لا يرقى إليها الشك، يفصل بدقة كيفية تورط أعضاء «حماس»، معدّداً أسماءهم ومحدّداً تحركاتهم. أصيب صيام بالارتباك والخجل. لقد أكدت مصر أنه في أعقاب تفجيرات دهب الثلاثة، تم توقيف ثلاثة أعضاء من «حماس» اعترفوا بارتباطاتهم بالتنظيم الإسلامي المتطرف المعروف بـ «التوحيد والجهاد». منذ ما يعود إلى شهر ديسمبر 2002، ورئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون يعلن بأن أفراداً من القاعدة ينشطون في قطاع غزّة، ويتوعّد بأن إسرائيل ستتخذ «جميع الخطوات لحماية نفسها من أي اعتداء». وقال «إننا نعرف بأنهم موجودون هناك. إننا نعرف أنهم موجودون في لبنان ويعملون بشكل وثيق مع حزب الله. إننا نعلم أنهم موجودون في المنطقة.»
ردّاً على تصريحات شارون في ذلك اليوم، قال ياسر عرفات أمام جمع من المراسلين في مقرّه في رام الله في الضفة الغربية: «إنها كذبة كبيرة، كبيرة، كبيرة، كبيرة، لتغطية اعتداءات شارون وجرائمه بحق شعبنا».
عندما قابلته على انفراد إلى مائدة العشاء، شرح لي عرفات بأن «أسامة بن لادن أضرّ بالقضية الفلسطينية أكثر من أي شخص آخر… لولا اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة، لكان الفلسطينيون أقرب من أي وقت مضى في تاريخهم الحديث، من تحقيق حلمهم بدولة فلسطينية مستقلة».
وتابع كلامه وهو يشكك بصدقية بن لادن، ومشدّداً على أن «ما من تصريح وحيد أو من هجوم حصل ضدّ القوات المحتلة في الضفة الغربية وغزّة، بدلاً عن ذلك، فقد أنفق ثروته على إلحاق الضرر بسمعة العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم بجعلهم مرتبطين بالإرهاب والحقد».
قدّم قائد جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني رشيد أبو شباك أدلة مادية إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا تثبت بأن «الشين بيت»، بالتعاون مع أجهزة استخبارات إسرائيلية أخرى، كان متورطاً في عملية تجنيد «دمى» لخلايا القاعدة داخل الأراضي الفلسطينية على مدى أكثر من سنة. في سياق مقابلة أجريتها مع أبو شباك في غزّة في 18 فبراير 2006، وأخرى مكمّلة للأولى عبر الهاتف من لندن، قال لي أبوشباك إن الدول الغربية أبدت اهتماماً بالغاً بهذه المعلومات، «لكنها لم تستطع أن تعد بأي شيء أو أن تتخذ أي إجراء، بما أنه لا يمكنها أن تقف ضد إسرائيل برغم علمها اليقين بأن القصة كاملة هي من صنع إسرائيلي، لكننا أبقينا هذه الدول، طوال مدة الأشهر الستة التي استغرقتها التحقيقات، على اطلاع تام بمجرياتها حتى تمكنا من كشف الحقيقة كاملة».
الدكتور محمود الزهار في مقابلة صحافية أجراها في سبتمبر 2005، أقر بأن «القاعدة» تنشط في غزّة. وأشار المتحدث باسم «حماس» إلى أنه، إضافة إلى هذا الوجود على الأرض، ثمة اتصالات هاتفية أيضاً بين غزّة ومراكز تابعة لـ «القاعدة» في بلدان أخرى. كذلك أفصح رئيس السطة الفلسطينية محمود عباس عن بعض مخاوفه في مقابلة أجرتها معه صحيفة الحياة في لندن في 2 مارس 2006، واعترف في سياقها بأن هناك أدلة على وجود لـ «القاعدة» في الضفة الغربية وغزّة، وبأن هذا «التسرب» «قد يهدد المنطقة برمتها بالخراب».
وما زاد من وقع أقوال أبو مازن مضمون رسالة مصورة للرجل الثاني في «القاعدة» أيمن الظواهري، مدتها ثلاثة وعشرون دقيقة، بثتها محطة الجزيرة التلفزيونية في 3 مارس 2006، ينتقد فيها حركة «حماس» لقبولها الجلوس جنباً إلى جنب مع أعضاء السلطة الفلسطينية الذين اتهمهم بأنهم «باعوا فلسطين» بعقدهم اتفاقيات أوسلو ومدريد للسلام، وبتوقيعهم صفقات مع إسرائيل مخالفة لتعاليم الإسلام، على حدّ قوله.
حماس من الداخل ( الحلقة الرابعة )
( الحلقة الرابعة )
زكي شهاب/ لم تنجح حركة حماس في تطوير قدراتها الذاتية وتوسيع نطاق عملها، ولم يتمكّن جناحها العسكري من تفعيل قدرته على تنفيذ العمليات العسكرية، فقد نجحت الاستخبارات الاسرائيلية في خرق أجهزة الحركة، من خلال دسّ عملاء في صفوفها، ومخبرين داخل المجتمع الفلسطيني.
وقد خطط صانعو الاستراتيجية الاسرائيلية للقضاء على قادة «حماس» النافذين والمؤثرين جماهرياً، لما لهم من دور في الحفاظ على تماسك الحركة، فتمّت تصفية صلاح شحادة والشيخ ياسين والمهندس عبد العزيز الرنتيسي، بناءً على معلومات استخباراتية وفرها عملاء فلسطينيون.
لقد كشفت روايات هؤلاء العملاء عمق الخرق الذي حققته الاستخبارات الاسرائيلية، وطبيعة الأساليب والتكتيكات التي استخدمتها أجهزتها الأمنية، طوال ثلاثة عقود من الوجود الاسرائيلي في غزّة، وفي ظل الاحتلال المستمر للضفة الغربية، لتجنيد فلسطينيين.
وتقدّر المنظمات الأمنية الفلسطينية عدد المتعاونين مع إسرائيل خلال هذه المدّة بما يزيد على عشرين ألفاً.
وعلى إثر الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزّة، اضطر كثيرون منهم إلىة اللجوء إلى داخل إسرائيل خوفاً من التعرّض للانتقام، فأقاموا في قرى بنيت خصيصاً لإيوائهم.
وتكتفي «الجريدة» بنشر سيرة جاسوس فلسطيني واحد من عدة جواسيس، جاء المؤلف على تفاصيل تجنيد اسرائيل لهم.
الجاسوس حمدية
كسب وليد راضي حمدية أموالا طائلة لقاء خرقه صفوف حركة «حماس» وتسريبه معلومات لحساب إسرائيل، لكنه عاد فدفع الثمن مضاعفاً، بما أن حياته كانت مزدوجة، جزاء خيانته!
لقد أعدم حمدية في غزّة بعد اعترافه بعمالته لدى الاستخبارات العامة الفلسطينية، ولاحقاً أمام هيئة محكمة أمن الدولة في غزّة، بأنه زوّد الاستخبارات الإسرائيلية بمعلومات مكّنتها من اغتيال اثنين من قادة كتائب القسّام وكوادر أخرى في «حماس» كانت إسرائيل قد أدرجت أسماءهم على لائحتها السوداء، وذكر منهم ياسر النمروطي، قائد الجناح العسكري في «حماس»، الذي اغتيل عام 1992، وعماد عقل الذي استشهد عام 1993، ومروان الزايغ وياسر الحسنات ومحمد قنديل الذين قتلوا معاً، في حيّ الصبرا في غزّة، في الرابع والعشرين من مايو 1992.
وكان حمدية يتمتع بصفة مسؤول جهاز الدعوة في حركة «حماس» في بداية الثمانينيات، أنهى دروسه في الجامعة الإسلامية وانتمى إلى مجموعة أطلقت على نفسها اسم المجمّع الإسلامي، الذي أنشأه وترأسه الشيخ أحمد ياسين. كان هذا المجمع مركزاً لحركة الإخوان المسلمين في غزّة، وبمنزلة سلف لحركة «حماس».
تعهد حمدية للشيخ ياسين بأنه «سيبقى وفياً للحركة الإسلامية»، وأقسم بجملة سريّة يستخدمها الناشطون الإسلاميون للاتصال في ما بينهم، أريد منها أن تشكل جملة ترحيبية، هي «كيف حال الأقصى؟»، فيأتي الجواب «الأقصى جريح»، في إشارة إلى المسجد الأقصى في القدس.
في عام 1986، تأججت الخلافات بين ناشطي حماس الناشئين وبقية المنظمات الفلسطينية بما فيها «فتح»، فتورّط حمدية في عراك مع أسعد الصفطاوي، وهو أحد الناشطين في «فتح» في غزّة. نتيجة لذلك، داهمت الاستخبارات الإسرائيلية منزله صباح السادس من شهر أكتوبر 1987، فاعتقل واقتيد إلى سجن غزّة المركزي لإخضاعه للاستجواب. هناك، وُضع أمام خيارين: إما التعذيب وإما العمالة، فأذعن للخيار الثاني. عندها زوّده ضابط استخبارات إسرائيلي يدعى «ميني» برقم هاتفه، وبعد أقلّ من أسبوع، أطلق سراحه.
بعد مضيّ أسبوعين، تلقى حمدية أمراً للقاء ميني أمام سجن أبو كبير في تل أبيب. عندما وصل ضابط الاستخبارات، أشار إلى حمدية باللحاق به إلى مبنى قريب، في شقة في الطابق الثاني، وجد ضابطا آخر يطلق على نفسه اسم «أبو حديب»، باشر باستجواب حمدية مركزاً أسئلته بشأن قادة الحركة الإسلامية.
ووفقاً لما ورد في نص اعترافات حمدية، فإنه ذكر العديد من الأسماء، منها أسماء الشيخ أحمد ياسين وعبد العزيز الرنتيسي وخليل القوقا، وواصل حمدية تزويد الاستخبارات الإسرائيلية بالمعلومات حتى تاريخ الإعلان عن تأسيس حركة حماس في ديسمبر من عام 1987، إثر اندلاع الانتفاضة الأولى. لقد شارك حمدية في كثير من فعاليات الانتفاضة، فاعتقل في شهر أغسطس 1988 وبقي محتجزاً طوال سبعة أشهر، برغم عمله لحساب الإسرائيليين، لكنه أوضح أن الغاية الإسرائيلية من اعتقاله هي خلق انطباع داخل حماس «بأنني واحداً منهم، إبعاداً للشبهات».
وحدّد ضابط الاستخبارات ميني موعداً آخر له في تل أبيب، لكن هذه المرة في فندق، وأثناء هذا اللقاء، تعرّف حمدية إلى ضابط رفيع الرتبة اسمه «أبو صقر»، فخاض معه في حديث طويل تناول الوضع في غزّة وواقع الحركة الإسلامية في القطاع، وفي ختام الاجتماع، أعطى أبو صقر حمدية مبلغ 150 ألف شيكل، أي ما يعادل 30 ألف دولار أميركي، وطلب منه استخدام اسم «أبو جعفر» في الاتصالات التي سيجريها مع الاستخبارات الإسرائيلية.
في مطلع شهر مايو 1989، فوجئ حمدية بتعرّض منزله لغارة جوية وتمّ اعتقاله مجدّداً، فيما أفاد ضابط الاستخبارات ميني أبو جعفر بأنه ألقي القبض على مجموعة كبيرة من قادة حماس، وتمّ سجنهم في معتقل «أنصار 2» في غزّة. بعد عدّة أيام، استدعي حمدية إلى جلسة استجواب حضرها ميني وقيل له بأن كل أفراد الجهاز العسكري لـ «حماس» قد تم توقيفهم، والمطلوب منه تزويد ضابط الاستخبارات بمعلومات عن المعتقلين من «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، فمكث في معتقل «أنصار 2» طيلة أربعة أشهر.
بعد الإفراج عنه بفترة وجيزة، استدعي حمدية للقاء ميني على الطريق الرئيسي في منطقة الشجاعية، وصل ميني على الموعد في سيارة من نوع بيجو 404، وهي السيارة الأكثر شيوعاً في غزّة في الفترة التي سبقت قيام السلطة الفلسطينية، كان معه في السيارة أشخاص آخرون قدّر حمدية أنهم ضباط استخبارات «متنكرون بلباس عربي»، كما كانت السيارة مزيّنة بآيات قرآنية وبسجادة للصلاة، فيما طرحت في أسفلها، بنادق عوزي. جلس حمدية في المقعد الخلفي، قرب ميني الذي تنكر بشعر مستعار وبشارب مزيّف. وأدرك حمدية أن من يراهم «سيحسب أننا مجموعة إسلاميين». ثم وصلوا إلى مستوطنة قريبة حيث قابلوا أبو صقر، فسأل أبو صقر حمدية بنبرة شابها اللوم والإذلال «لماذا لم تبلغ موقعاً قيادياً حتى الآن؟ ففي الجبهة الشعبية يصل العضو إلى مكانة متقدمة في غضون ستة أشهر؟!»، على إثر هذا التوبيخ، عمد حمدية إلى استخدام علاقاته وبعض الوساطات، فترقى إلى مكانة المسؤول عن جناح الدعوة المكلف تسويق ونشر القضية.
لقد أصبح هذا الموقع شاغراً عندما أوقف الإسرائيليون مسؤول جهاز الدعوة السابق في منطقة الشجاعية، مفسحين في المجال أمام حمدية لتولي هذا الدور.
في العام 1991، تقدّم حمدية من الـ «كابتن ميني» باقتراح غريب ظاهرياً، يقضي باعتقاله مرة ثانية، وذلك بهدف التغطية على علاقته المستمرة بالاستخبارات الإسرائيلية. فتمّ توقيفه بالفعل مدة خمسة أشهر، أفصح خلالها عن أسماء جميع أعضاء جهاز الدعوة، تحديداً أولئك الذين كانوا يشاركون في الاستعراضات العسكرية التي كانت تنظم في شوارع غزّة.
بعد ذلك، طلب من حمدية إبلاغ الاستخبارات الإسرائيلية بتحركات بعض الأشخاص المدرجة أسماؤهم على لائحة المطلوبين لدى إسرائيل، والذين كانوا يلجأون إلى منازل آمنة، تلافياً للاعتقال أو للاغتيال.
تمكّن حمدية من الحصول على معلومات عن أحد الناشطين في كتائب القسام يدعى محمد قنديل، عندها، زوّدته الاستخبارات الإسرائيلية بقنبلة موقوتة وبعلبة من الديناميت كي يسلمها إلى قنديل في أقرب فرصة.
وحالما تبلغوا بأن قنديل تسلم هذه المعدات، فجّروا القنبلة التي قتلت قنديل واثنين من قادة كتائب القسّام، الجناح العسكري لـ «حماس»، هما ياسر الحسنات ومروان الزايغ. ويصف وليد حمدية دوره في اغتيال ياسر النمروطي، وفي ملاحقة عماد عقل ومجموعته، ورصدهم في منزلهم في رام الله، على الشكل الآتي «تابعت تحركات ياسر بدقة. لقد اعتاد الحضور إلى منزلي. أعطاني مبلغ 5 آلاف دولار أميركي لشراء عتاد وتمويل نشاطات المنظمة في منطقتي، فأبلغت مرجعي الإسرائيلي بأن النمروطي طلب مني تزويده ببندقية وقنابل موقوتة، فأعطاني الضابط الإسرائيلي إياها.
بعدما غادر ياسر منزلي، لاحقته الاستخبارات الإسرائيلية حتى وصلوا إلى مكان بعيد عن منزلي، فتمت تصفيته في خان يونس في 17 يوليو 1992. ثم كافأتني الاستخبارات الإسرائيلية بمبالغ كبيرة من المال لقاء خدماتي».
بعد مرور أربعة أيام على قتل النمروطي، قرّرت الاستخبارات الإسرائيلية اعتقال حمدية مرة جديدة، فسجن مدّة أربعين يوماً.
ويتابع حمدية اعترافه قائلا «بعد خروجي من السجن، قال لي النقيب الإسرائيلي أبو أمجد: «لقد فوّت على نفسك فرصة». كان عزّ الدين الشيخ خليل الذي اغتيل لاحقاً على يد جهاز الموساد في دمشق، قد تسلم مسؤولية جهاز الدعوة بدلا منه، فقرّرت الاستخبارات الإسرائيلية اعتقال حمدية حتى تتسنى له فرصة المطالبة باستعادة موقعه، فتمّ اعتقاله مجدّداً، وأبعد إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان مع أربعمئة قيادي من حركة حماس.
قال له الضابط، وهو يسلمه خمسة دنانير، إن هذا الإبعاد مؤقت، على ورقة الخمسة دنانير من دوّن رقم هاتف وجب على حمدية استخدامه للاتصال به.
بعد عودته من لبنان إلى غزّة، تلقى حمدية تعليمات لملاحقة القيادي البارز في «حماس»، عماد عقل. كان حمدية على علم بتردّد عماد بشكل دوري على منزل نضال فرحات.
لقد قال له مرجعه الإسرائيلي إن الجميع في إسرائيل، من أصغر إنسان وصولاً إلى رئيس الوزراء، يطالب برأس عماد عقل. وفي حضور عدد من ضباط الاستخبارات الإسرائيلية من أصحاب الرتب العالية، عُرضت عليه مكافأة قدرها 500 ألف دولار أميركي مقابل رأس عقل.
قال حمدية «أبلغته سلفاً أن عقل موجود في منطقة الشجاعية في منزل فرحات». فطلب منه شراء سروالين من نفس اللون، ثم أخذوا واحداً منهما ووضعوا في الثاني جهاز تنصت صغير، وطلبوا منه ارتداءه عندما يقوم بزيارة فرحات في منزله، حتى يتسنى لهم التنصت على الحديث.
زار حمدية عماد عقل خلال شهر رمضان، وروى كيف أقاما صلاة المغرب معاً «كان عماد صائماً، فتناولنا طعام الإفطار على سطح المنزل، فجأة، حاصر الجيش الإسرائيلي المنزل من كل الجهات. عندما حاول عماد إطلاق النار، أصابته قذيفة إسرائيلية، بقينا محاصرين طيلة ساعتين، ثم طلب الجيش الإسرائيلي من جميع الموجودين في المنزل الخروج منه. عندما خرجت، صاح الجنود الإسرائيليون « نريد هذا!» وهم يشيرون إليّ. أخذوني بعيداً في سيارة وسألوني عمّا جرى داخل المنزل، قلت لهم إن عماد عقل قد مات».
طلب الإسرائيليون من حمدية خلع السروال حتى يستعيدوا جهاز التنصت وأعطوه السروال الآخر، وتمت مكافأته بخمسة آلاف دولار.
الشهداء… وعاطفة الوالدة
محمد ورواد ونضال، جميعهم مقاتلون في كتائب القسّام، استشهدوا من أجل قضيّتهم. رشّحت «حماس» والدتهم لأول انتخابات نيابية فلسطينية، ففازت بمقعد في المجلس التشريعي الفلسطيني، وذلك بعدما أصبحت مريم فرحات، أو أم نضال، كما تسمّى، رمزاً بالنسبة لمناصري «حماس» في قطاع غزّة، وذاعت شهرتها وشعبيتها لتأييدها المطلق قرارات أبنائها. إن أم نضال أرملة شرطي سابق، تبلغ السادسة والخمسين من العمر، لها أربع بنات متزوجات وستة أبناء، ثلاثة منهم قضوا في عمليات استشهادية، ورابع معتقل، واثنان كانا لايزالان، حتى تاريخ لقائي بها، يشاركان في أعمال المقاومة المسلحة في قطاع غزّة. رغم مصابها الأليم، فهي لا تبدي ندماً على ما بذلته من تضحيات.
قابلت مريم فرحات في منزلها في 24 يناير 2006 عشية الانتخابات التشريعية الفلسطينية، قالت لي إن ابنها محمد قد ائتمنها على سرّ العملية الاستشهادية التي عقد العزم على تنفيذها قبل وقت طويل من تكليفه بها، وتصف أم نضال بـ «المناسبة المهمة جدّاً» يوم عاد ابنها محمد إلى المنزل حاملا مسدساً، في إشارة إلى انخراطه في الجناح العسكري لـ «حماس»، وبداية رحلته نحو الشهادة. أقرّت أنها قد شجعته، منذ ريعان شبابه، على استخدام الأسلحة عوضاً عن الحجارة، في مهاجمة الدوريات العسكرية التي تزرع طرقات حيّ الشجاعية، حيث يقيمون، ذهاباً وإياباً. لقد دخلت مقاومة إسرائيل في يوميات هذه العائلة، حتى صارت تشكل فصلاً حميماً من حياتها. وتتجلى هذه الممارسة واضحة على جدران المنزل، فمن أحدها تتدلى قطعة من السياج الشائك القائم حول المستوطنة اليهودية انتزعها ابنها قبل ساعات من وفاته.
تتذكر أم نضال بفخر ٍمشوب ببعض الحسرة، مساء ذاك الخميس، في 7 مارس 2002، عندما دخل محمد، البالغ من العمر تسعة عشر عاماً، قاعة كلية للدراسات الدينية والتدريب العسكري في غوش قطيف في مستوطنة أتزمونا. أسفرت العملية التي نفذها محمد عن قتل خمسة طلاب في الثامنة عشرة من عمرهم وجرح ثلاثة وعشرين آخرين.
تحوّل منزل محمد عندئذ، إلى محجة لأعداد كبيرة من الرجال والنساء الذين أدرجوا أسماءهم على لائحة المستعدين للشهادة.
وتستعيد والدة محمد كلماته وأفعاله في آخر أيام حياته، كأنها مسجلة على شريط مصوّر في ذهنها تستخرج منه، متى أرادت، الأحاديث التي تبادلاها آنذاك. لقد بدأت أم نضال تبكي خسارة ابنها قبل ثلاثة أيام من تنفيذه العملية، فكانت تدخل إلى غرفته في الصباح الباكر لتتأمله في نومه، «كان وسيماً جداً، لقد اعتدت أن أفكر أنه يجب عليه الموت شهيداً ليعيد لله جزاءَ ما منحه إياه، كرمى لله، حذفت كل عواطفي الأمومية. فلو أذنت لدموعي بالتحكم بي، لما كنت سمحت لأي من أبنائي أن يختار درب الشهادة».
بكت عندما قرأ وصيته
وتتذكر أم نضال أنها بكت عندما قرأ وصيته، حين رفع نظره إليها ورأى دموعها، راح يضحك وهدّدها بإلغاء مهمته، فقالت له «أنا أمك! ليس من السهل عليّ أن أطلب منك الرحيل، إني أبكيك ليل نهار، لا تسئ فهم دموعي، إنها دموع أم ستزوّج ابنها لحوريات الجنة الجميلات. عليك إطاعة أوامرك ومواصلة قتالك إلى أن تلقى ربّك». وعندما حان الوقت، تبادلا كلمات الوداع، فقالت له: «صوّب جيّداً»، ثم غادر، لم يذرف دمعة، رحل مبتسماً. إنه أول أبنائها الاستشهاديين. لقد بدا متماسكاً وهادئاً. تصف أم نضال الساعات ما بين مغادرته المنزل وسماعها نبأ وفاته، بأنها لحظات «لا تطاق»، «بدا لي كأنني أتنفس نفسه هو»، لقد قلقت من احتمال تعرّضه للتوقيف قبل أن «يتمجّد بالشهادة»، وشعرت براحة مطلقة عندما بلغها خبر نجاح مهمة ابنها، لقد سألتها كيف تمكنت من مساندة ابنها لينفذ عملاً سيودي بحياته وبحياة آخرين، فأجابتني «كنت شريكته في الجهاد. هذا أمر طبيعي. ليس بالشيء المميّز كما يظن الناس»، قد لا يفهم السواد الأعظم من الآباء والأمهات مثل هذا التصميم، لكنني أعتقد أنه من المهم إبرازه وتوثيقه، لأنه يبيّن عمق التناقضات السيكولوجية، ومدى التجاذبات العاطفية التي تجعل من الصعب للغاية، فهم هذا الصراع النفسي الداخلي.
كان وسام، أحد أشقاء محمد الذين لايزالون على قيد الحياة، جالساً إلى جانب والدته، يهزّ برأسه مؤيداً كلامها.
قال لي إن أم نضال شجعته هو أيضاً على تنفيذ عملية استشهادية، إلا أن الأمر باء بالفشل، فقد ألقي القبض عليه عام 1993 وهو في طريقه لاستهداف مستوطنة «بير شيفا» أو «بئر السبع»، في صحراء النقب جنوب الخليل، لقد أطلق سراحه أخيراً، بعد قضائه ما يزيد على عشر سنوات في سجن إسرائيلي.
ثم سألت أم نضال، بصفتها أماً لأربع بنات، إن كانت تؤيد تنفيذ النساء عمليات استشهادية، فأجابت «إن الجهاد متاح أمام الجميع. وليس باستطاعة أحد أن يردع رجلاً أو امرأة عازمين على الجهاد، إن دعم امرأة لتنفذ عملية جهادية غير مشروط، فإن كانت عملية من هذا النوع تستلزم وجودة امرأة، سيكون المجال مفتوحاً أمام النساء للمشاركة فيها»، لكنها شكت من أن الحصار الإسرائيلي المفروض على غزّة يشكّل عائقاً أمام مشاركة العديد من النساء الفلسطينيات في أعمال استشهادية، ثم أردفت قائلة «لا يجب أن نغفل أداء النساء لأدوار داعمة ومؤثرة، منها مثلاً أن تلد أبناء مستعدين للموت في سبيل القضية».
أول امرأة استشهادية هي وفاء ادريس البالغة من العمر سبعة وعشرين عاماً، من سكان مخيم الأمعري للاجئين قرب رام الله. كانت وفاء تعمل أمينة سرّ لدى منظمة الهلال الأحمر الفلسطيني وقد انتسبت إلى كتائب الأقصى، الجناح العسكري لـ «فتح»، ونفذت عمليتها في شارع يافا في القدس، متسبّبة بقتل عجوز إسرائيلي في الواحدة والثمانين من العمر، وبجرح مئة آخرين.
بعد سنتين، تبنت «حماس» ريم رياشي كأول امرأة استشهادية تنتمي إلى صفوفها. حتى ذلك الحين، وبرغم التأكيدات الصادرة عن الحركة بأن الجهاد واجب على كل مسلم أكان رجلا أم امرأة، ساد اعتقاد بأن «حماس» لا توافق على إرسال نساء في هذا النوع من المهمات، لذا، عندما كشف عن اسمها، ظنّ كثيرون بأنها من كتائب الأقصى.
ريم رياشي
إن قصة ريم رياشي مضمخة بالعواطف، وتقول فرحات إنها أدمت قلوب كثيرين عندما علموا أن هذه الطالبة الجامعية، ابنة الاثنين والعشرين ربيعاً والعائلة الميسورة، أقدمت على تنفيذ عمليتها مخلفة وراءها طفلين صغيرين: ابنها ضحى، البالغ من العمر ثلاث سنوات، وابنتها عبيدة، التي لم تتجاوز شهرها الثامن عشر، لقد نجحت ريم بخداع الجنود المولجين مراقبة معبر إيريز على الحدود بين قطاع غزّة وإسرائيل، إذ أقنعتهم بتفتيشها شخصياً، عوض إخضاعها لفحص الماكينة الكاشفة للمعادن، بحجة وجود صفائح معدنية في جسمها قد تسبب بإطلاق صفارة إنذار الماكينة الفاحصة. وبينما وقفت تنتظر وصول جندية تقوم بتفتيشها، فجّرت قنبلة زنة كيلوغرامين عند نقطة العبور، حاصدة حياة جنديين ورجل شرطة حدود ورجل أمن مدني.
قبل استشهادها، كانت ريم قد سجلت شريط فيديو تظهر فيه باللباس العسكري ومعصوبة الرأس بقماشة خضراء، دلالة على انتمائها لحركة حماس، كما كانت تحمل رشاشاً أوتوماتيكياً. لقد قالت مودّعة إنها طالما حلمت، منذ كانت في الصف الثامن، أن «أشلاء جسدها ستتناثر وتمزّق الصهاينة إرباً إرباً، فيما هي تقرع باب الجنة، حاملة جماجم الصهاينة القتلى».
لاتزال فرحات تذكر ردّة فعل نساء أخريات إزاء اختيار ريم لتنفيذ المهمة «أتت إليّ مئات النساء وكل واحدة منهن تشتكي من وقوع الاختيار على ريم لا عليها، لقد ساورتهن الغيرة، فجاءت الواحدة تلو الأخرى، وكلّ منهن تناشدني التوسط لها كي يقع الاختيار عليها بعد ريم».
سادت البلبلة في المجتمع الفلسطيني المحافظ، إذ طرحت علامة استفهام كبيرة: هل مسألة انتقاء النساء لتنفيذ عمليات عسكرية استشهادية توافق أحكام الشريعة الإسلامية؟ فبعدما تبنت كتائب الأقصى وفاء ادريس كأول امرأة استشهادية تخرج من صفوفها، سجل مؤسس «حماس» وقائدها الروحي الشيخ أحمد ياسين، في تصريح له، ما اعتبر تنديداً بهذه الخطوة.
لقد شدّد ياسين على أن للمرأة دورا محددا، يتمثل بالعناية بأسرتها وتربية أولادها، وذلك وفقاً لما يقتضيه فرض الجهاد. وأضاف «أن تقوم النساء بهكذا هجمات داخل فلسطين المحتلة (في إشارة إلى الخط الأخضر العائد للعام 1948) أمر معقد، لأنه يجب على الاستشهادي أن ينام بعيداً عن منزله لأيام وأسابيع عديدة قبل تنفيذه للمهمة، سيكون هذا الأمر صعباً على الفتيات».
في ما بعد، أعلن ياسين أن كلامه لم ينقل على نحو دقيق، فأسيء فهم رأيه في النساء الاستشهاديات. ثم صدر عنه، إثر العملية الاستشهادية التي نفذتها ريم رياشي، ما كان بمنزلة الموافقة على تنفيذ النساء هكذا عمليات: «للمرّة الأولى، استخدمت حماس مقاتلة فلسطينية لتنفيذ عملية ضدّ قوات الاحتلال. إنها استراتيجية جديدة لمقاومة العدو». وأضاف: «لقد سبق لنا وأكدنا أن النساء يمثلن إفادة تكتيكيّة».
يوم الجمعة الواقع فيه 1 يونيو 2001، خارج ملهى «الدولفين» على ساحل تل أبيب، شقّ سعيد العطري طريقه عبر صف طويل من الشبان المنتظرين دورهم للدخول إلى الملهى، وهو متنكر في زيّ مغنية تحمل آلة غيتار محشوّة بالمتفجرات. يومها، قتل واحدا وعشرين شخصاً وجرح ما يقارب مئة آخرين. وفي خطوة مماثلة، دخل عبد الباسط عودة غرفة الطعام في فندق بارك أوتيل على شاطئ مدينة نتانيا، وهو في كامل أناقة امرأة ترتدي سترة من الجلد البني وسروالا يتهادى فوق كعبين عاليين، وقد غطت ألوان التبرج وجهها، وتمايل شعرها الأسود الطويل تحت قبعتها. لم يثر شكله الأنثوي أي شكوك، فتمكن هذا الفلسطيني الآتي من طولكرم في الضفة الغربية، من تنفيذ مهمته على مرأى من الساهرين المذعورين، الذين كانوا ينوون الاستمتاع بعشاء فاخر لمناسبة عيد الفصح اليهودي، في مساء ذلك اليوم الواقع في 27 مارس 2002، لقي ثلاثون شخصاً حتفهم، وجرح ما يزيد على مئة آخرين.
حماس من الداخل ( الحلقة الاخيرة )
( الحلقة الاخيرة )
زكي شهاب / مع اكتساب «حماس» المزيد من الدعم خلال سنوات الانتفاضة الاولى، قامت بإضافة قسم الشؤون الخارجية إلى بنيتها السياسية، في ذلك الوقت، شعرت قيادتها بأنها قوية بما يكفي لكي تستقل عن حركة الاخوان المسلمين وتصبح كياناً قائماً بذاته.
عندما أقامت «حماس» مكتباً سياسياً لها في الاردن، كانت أقنية الاتصال مع الحكومة المضيفة تمرّ من خلال أجهزتها الامنية، فيما كان الشيخ ياسين في السجن، نقلت القيادة إلى الدكتور موسى أبو مرزوق الذي منعته إسرائيل من العودة إلى غزّة في عام 1989، فاستقر في الاردن.
على المستوى السياسي، كانت العلاقات جيدة نسبياً مع الاردن، خصوصاً بعد غزو القوات العراقية للكويت، ما أرغم قادة «حماس» في الكويت على الانتقال الى العاصمة الاردنية عمّان.
ظن الكثيرون في ذلك الوقت، بأن الحكومة الاردنية ستستخدم «حماس» كأداة تفاوض في أي نزاع قد يندلع مع منظمة التحرير الفلسطينية.
لكن الدولة المضيفة بدأت تنقلب على «حماس» عندما أغفلت عن إبلاغ الحكومة الاردنية بنيّتها التخطيط لعمليات عسكرية انطلاقاً من عمّان، تمهيداً لتنفيذها في الاراضي المحتلة، كذلك، لم تعرف قيادة الاخوان المسلمين في الاردن أي شيء عن نيات «حماس».
في عام 1991، تظاهرت حركة الاخوان المسلمين وقيادة «حماس» بالاستغراب والمفاجأة، عندما ابلغها مسؤول أمني رفيع المستوى في الاردن بأن حكومته داهمت أربعة مخابئ كبرى للاسلحة في العاصمة الاردنية، تحوي رشاشات ثقيلة ومدافع، لقد قدرت قيمة الاسلحة المصادرة بنحو مليون دينار اردني أو 1،5 مليون دولار أميركي، واعتقل تسعة ناشطين من «حماس» وسجنوا لمدة تسعة أشهر، إلى أن أطلق العاهل الأردني سراحهم بموجب عفو ملكي.
كانت هذه بداية نهاية سياسة التسامح التي اعتمدتها الحكومة الأردنية مع «حماس»، فقد تشددت في مواقفها ضدّ الحركة، وبدأت تراقب نشاطاتها عن كثب، ثم شرع كل من الحكومة الأردنية والجناح العسكري لـ «حماس» يبحث عن آلية لادارة علاقتهما.
في عام 1993، عقد لقاء في مكتب رئيس الوزراء الاردني زيد بن شاكر، حضره قادة «حماس»، الدكتور أبو مرزوق وإبراهيم غوشه، ومحمد نزال وعماد علمي وغيرهم، تلا هذا الاجتماع لقاء آخر جرى في مقر قيادة الاستخبارات العامة، من أجل تحديد طبيعة العلاقة وإبلاغ الحركة بما هو مسموح لها القيام به وما هو ممنوع عليها، فقد أبلغت «حماس» بكل وضوح بأنه يحق لها فقط ممارسة النشاطات الاعلامية والسياسية التي لا تعرّض المصالح الاردنية للأذى، بالتالي، كانت النشاطات العسكرية ممنوعة، وأصبحت أجهزة الاستخبارات الأردنية تراقب «حماس» بارتياب وشك، خوفاً من ان تتحول إلى منظمة عسكرية تهدد الامن الاردني الداخلي. فصارت تعتقل قياداتها كلما شعرت بأن هناك سبباً يدعو إلى القلق، وقد ازدادت تيقظاً بعدما وضعت يدها على اسطوانة مدمجة تحتوي معلومات مفصلة عن نشاط المنظمة في الضفة الغربية وغزّة، في نوفمبر من عام 1995، ما أدى إلى مزيد من الاعتقالات.
كما فعلت «فتح» في أواخر الستينيات، بدأت «حماس»، في بداية السبيعنيات، تعلن مسؤوليتها عن هجمات تنفذها داخل اسرائيل، فقامت الحكومة الاردنية، بحكم اتفاق السلام الذي وقعته مع اسرائيل في عام 1994، بترحيل الدكتور أبو مرزوق وعماد علمي.
اعتقل أبو مرزوق لاحقاً في الولايات المتحدة وألصقت به تهم غير مثبتة بممارسة الارهاب، وعلى الرغم من علاقة الاردن المتوترة مع «حماس»، لعب الملك حسين دوراً في اطلاق سراح أبو مرزوق، وفي عام 1997، أعطى الاذن إلى الولايات المتحدة بترحيله مجدداً الى الاردن.
على الرغم من هذه المواقف، ومن بينها تلويح الملك الأردني الراحل حسين بإعدام عميلي الموساد اللذين حاولا اغتيال خالد مشعل، ازداد التوتر بين «حماس» والحكومة الاردنية، أقله لأن الحركة باتت تهدد التوازن القائم بين الحكومة وحركة الاخوان المسلمين الاردنية.
لقد اشتكت جماعة الاخوان المسلمين الى المرشد العام للحركة في مصر، مصطفى مشهور، بشأن تصرفات مشعل والقرارات التي يتخذها في الأردن، من دون استشارتها.
اعتقلت الاستخبارات الاردنية عدداً من أعضاء «حماس» المعروفين بمجموعة «الرصيفة»، في الجزء الاول من عام 1999، ما أثار انزعاج قيادة الاخوان المسلمين.
تضاعف هذا التباعد، في منتصف عام 1999، عندما اعتقلت الاستخبارات الاردنية اثنين من حراس مشعل الشخصيين لعدم حيازتهما رخصاً لاسلحتهما.
اقفال مكتبها
في 29 أغسطس من عام 1999، أصدرت الحكومة الاردنية بياناً تشير فيه إلى اقفال مكتب «حماس» في عمان، ومنع نشاطاتها، كما اصدرت مذكرة اعتقال بحق رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل ورفاقه.
بعد ثلاثة أسابيع، حشد الفرع الاردني لحركة الإخوان المسلمين أعضاءه وحلفاءه في مختلف الاحزاب والاتحادات السياسية لشنّ حملة ضد قرار الحكومة الأردنية. إلا أن ثلاثة من قادة «حماس»، بمن فيهم مشعل، الذين كانوا في زيارة إلى طهران، أذعنوا لقرار الحظر، وقرروا السفر إلى دمشق من أجل التفكير بالوضع المستجد وتفادي أي مواجهة مع السلطات الاردنية.
بهذا القرار، بلغت العلاقة بين «حماس» والاردن دركاً عميقاً ما كان يمكن تصوره يوم تدخل الملك حسين لانقاذ حياة مشعل قبل عامين، في تلك الفترة الذهبية السعيدة من هذه العلاقة، كان أبو مرزوق قادراً على الاتصال بالملك على خطه الهاتفي الشخصي، لكن زمن التعاون والتفاهم المشترك بين «حماس» والاردن انتهى إلى الأبد.
بعد ذلك، سادت الفوضى على مستوى القيادة الخارجية لـ «حماس»، الأمر الذي أدّى إلى إمساك قاعدة «حماس» في غزّة بالسلطة وسيطرتها على قرار الحركة السياسي.
مع قطر
في أوائل التسعينيات، بنت «حماس» صداقة مع قطر، عندما كان الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني لا يزال ولياً للعهد، ثم تعززت تلك العلاقة عندما اصبح الشيخ حمد أميراً للبلاد في عام 1995.
كان مشعل قد ادّعى بأن الأردن يبحث عن عذر لانهاء وجود «حماس» في البلاد، مستغلا الشائعات التي تفيد عن العثور على الاسلحة وغيرها من الامور، وأعلن بأن لا صحة لأيّ من هذه الاتهامات. وافق الأردن على إطلاق سراح مشعل وغوشه شرط أن يغادرا البلاد، فتمّت مرافقتهما من السجن، في الأول من شهر نوفمبر من عام 1999، ونقلا إلى مطار ماركا في عمان، حيث استقلا طائرة خاصة، معصوبي الأعين وأيديهما مكبّلة وراء ظهريهما.
كان محمد عبدالله المحمود من وزارة الشؤون الخارجية القطرية على متن الطائرة، مكلفاً بنقل ناشطي «حماس» إلى العاصمة القطرية، الدوحة. ويذكر مشعل: «بقينا في قطر مدة عامين، حاولنا خلالها معالجة مشكلتنا مع الاردن، لكننا لم ننجح في ذلك».
عندما قام الشيخ حمد بن جاسم آل ثاني، وزير الخارجية القطري، بزيارة إلى الاردن قبل ترحيل مشعل إلى الدوحة، عقد لقاء خاصاً مع الملك حسين بحضور رئيس الوزراء الأردني، عبد الرؤوف الروابدة، وأثار وزير الخارجية القطري مسألة سجناء قيادة «حماس» في الاردن، وطلب إذن الملك لكي يتم ترحيلهم إلى قطر.
على سبيل المزاح، يقال إن الملك حسين علق بما يلي «لم تحتاج اليهم؟»، فكان جواب الشيخ حمد بن جاسم بأن «حماس» ستوفر للدولة القطرية غطاء مقبولاً، بما أن قطر تنوي إقامة علاقات دبلوماسية مع إسرائيل «باستقبالنا حماس ضيفة علينا، فإن هذا سيبقينا على علاقة جيدة بغيرنا من الحكومات العربية الاخرى».
كانت قطر تمارس لعبة ثلاثية الأبعاد. فهي حكومة عربية لديها أوثق العلاقات مع واشنطن، وتستضيف مقر قيادة القوات الاميركية في منطقة الخليج، أضف إلى ذلك، أنها استقبلت قادة معظم الحركات الفلسطينية الاسلامية المتطرفة، وثالثاً، من خلال قناة الجزيرة الفضائية، كانت تقدم بشكل علني مجالاً للمسؤولين الاسرائيليين لإبداء آرائهم.
لكن مشعل أنكر قيام الحكومة القطرية بأي جهود للتوسط بين «حماس» وإسرائيل، وقال «سياستنا معروفة جيداً، وليست لدينا أي نية في أي وقت، للاتصال بالجيش الصهيوني».
العلاقة بإيران
أهم علاقات «حماس» اليوم هي تلك التي تقيمها مع سورية وإيران، والعلاقة المثيرة للاهتمام هي تلك التي تقيمها بطهران، التي لطالما خصّت المجموعات الشيعية بدعمها، فيما «حماس» هي حركة مسلمة سنيّة، غير أن الارتباط بإيران أمر واقع طال أمده وأصبح متجذراً، وقد كنت شاهداً على بدايات نشأته.
بعد سقوط آخر شاه في إيران، محمد رضا بهلوي، وصل إلى مطار طهران الدولي، الإمام روح الله موسوي خميني، عائداً من منفاه في فرنسا، مظفراً. لقد حظي باستقبال الأبطال، إذ حضرت للقائه أعداد هائلة من المناصرين قدّروا بستة ملايين. لقد نصّب الخميني نفسه مرشداً أعلى للجمهورية الإسلامية الإيرانية الجديدة العهد.
في ظل القيادة الدينية لآية الله الخميني العظمى، انتخب أبو الحسن بني صدر رئيساً، وأصبح مصطفى محمد نجار وزيراً للدفاع، وعيّن محسن رفيق دوست قائداً للحرس الثوري.
لقد أنشئ الباسداران، كما هو معروف في إيران، لحماية نظام الثورة ومساعدة رجال الدين الحاكمين في تفعيل تطبيق الشرائع والقيم الإسلامية.
قبل خمس سنوات، نظم رجل دين إيراني نافذ تجمعاً في مدينتي صور، لم يُشهد له مثيلا ً على الأرجح منذ أيام حكم الرومان. جاء ذلك عقب تجمع حاشد مماثل أقيم في بعلبك، فوفد أكثر من مئة ألف شيعي مسلح من جميع أنحاء البقاع وجنوب لبنان وضاحية بيروت الجنوبية، دعماً لحركة سياسية جديدة أطلقت عليها تسمية أفواج المقاومة اللبنانية وعرفت لاحقاً بـ «أمل» كاختصار لتلك التسمية.
قال الإمام موسى الصدر، وهو رجل دين ذي شعبية كبيرة في المنطقة، إن إطلاق هذه الحركة كان ضرورياً لأن الاعتداءات الإسرائيلية قد بلغت حدّها الأقصى، والسلطات اللبنانية فشلت في تأدية واجبها بحماية المواطنين. لقد شعر بأنه مجبر على تنظيم صفوف الشيعة ضمن فصيل مسلح، لحماية القرى اللبنانية الجنوبية التي كانت تتعرّض للقصف بشكل متواصل خلال المواجهات بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية، فالمنظمة كانت تطلق هجماتها من قواعدها العسكرية في الجنوب. كان لبنان آنذاك على شفير حرب أهلية والفئات الطائفية الأخرى – المسيحيون والدروز والسنة – كان سبق لها أن نظمت صفوفها سياسياً وشكلت ميليشيات فاعلة، أما الإقطاعيون الأثرياء فقد غادروا المنطقة عندما حوّلتها المجموعات الفلسطينية المسلحة إلى معقل حصين لها بعدما طردها الملك حسين من الأردن في عام 1971. كان هؤلاء المقاتلون أو الفدائيون كما كان يحلو لهم التعريف عن أنفسهم، قد اشتبكوا مع جيش الملك حسين في محاولة لقلب نظام الحكم الملكي في الأردن. إذاك، أعلن العاهل الأردني الأحكام العرفية، وفرض الجيش الأردني سيطرته على الأرض، وأجبر الفدائيين على المغادرة. فتوجّهوا عبر سورية إلى المنطقة الحدودية في جنوب لبنان، متخذين منها قاعدة انطلاق لعملياتهم ضدّ المستوطنات المنتشرة على طول حدود إسرائيل الشمالية.
لسنوات طويلة نشأت خلالها في مخيم برج الشمالي، كان يعتبر زعيم فتح ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية ياسر عرفات بطلا ً، أذكر سماعي المسؤولين الكبار في «فتح» يحثون أتباعهم، بناءً على تعليمات صادرة عن عرفات، على تزويد ميليشيا «أمل» الحديثة العهد والهادفة إلى إحياء الدور الشيعي بالسلاح الذي يتوافر لديهم. كسب التحالف بين حركتي فتح وأمل تأييداً شعبياً عارماً. وقد عمد الإمام الصدر، في مناسبة التجمع الحاشد الذي دعا إليه في صور، إلى إصدار فتوى دعا فيها إلى وقف أي نوع من أنواع المساعدة للإسرائيليين في حربهم ضدّ الفلسطينيين. فذاع قوله الشهير «إن التعامل مع إسرائيل حرام وضدّ إرادة الله».
لم يقتصر الوجود الإيراني في لبنان في ذلك الحين على الثوار المناهضين لحكم الشاه، فقد كان الحزب الشيوعي الإيراني «توده» وسواه من الحركات العلمانية أمثال «مجاهدي خلق»، من الحاضرين على الساحة اللبنانية، لقد انضموا إلى الفصائل الفلسطينية اليسارية الناشطة في لبنان في السبعينيات، وأصبحت الشخصيات السياسية الإيرانية وجوهاً مألوفة بالنسبة لي عندما بدأت العمل الصحافي في عدد من المطبوعات الفلسطينية واللبنانية، كان ممثلوهم يزورون مكاتب الصحف في بيروت، بشكل منتظم، لتسليم بيانات صحافية يعلنون فيها معارضتهم لنظام الشاه في طهران.
من دون تلقيهم أيّ دعوة لزيارتها، توجه عرفات والمسؤولون الثمانية والخمسون في منظمة التحرير الفلسطينية إلى طهران في 18 فبراير من عام 1979، بعد أيام قليلة على انتصار الثورة الإسلامية، كان من المقرّر أن يعقد عرفات في موسكو اجتماعات عمل إلى موائد غداء، تعقبها محادثات إلى طاولة الفطور في واشنطن، في مساع ٍ تهدف إلى كسب ودّ أي حكومة، بغضّ النظر عن توجهاتها السياسية، إن كانت ستؤثر إيجاباً على مسار الأزمة في الأراضي الفلسطينية. في تلك المرحلة المبكرة من إحيائهم المسيرة الإسلامية، فوجئ الثوار الإيرانيون بهذه الزيارة غير المقرّرة لشخصية أجنبية رفيعة المستوى. إلا أن عدداً كبيراً من المسؤولين الرسميين الإيرانيين كان في استقبال عرفات في المطار، وقد وفروا للزائر الكبير أفضل ظروف الإقامة في أرقى عنوان في العاصمة الإيرانية، في النادي الحكومي السابق في شارع «فرشته» شمال طهران.
إحدى الأحجيات الإيرانية تطرح السؤال الآتي «متى كانت المرّة الأولى التي ابتسم فيها آية الله الخميني؟» فيأتي الجواب: «المرة الأولى والوحيدة التي ابتسم فيها آية الله الخميني حين جلس إلى جانب السيد عرفات في طهران عام 1979.
لقد رحّب الزعيمان أحدهما بالآخر وتصافحا وتعانقا، حينها، تمّ التقاط صورة نادرة لآية الله الخميني، ذاك الرجل الطويل ذي اللحية البيضاء، في ثوبه وعمامته السوداوين، وهو منحن ٍ نحو عرفات الذي علت وجهه إمارات التعب وزيّنت هامتهه كوفية مرتبة بدقة، لقد تجمّدت على وجه الخميني المتجهم عادة، ابتسامة ملتبسة على غرار تلك التي تعلو ثغر الموناليزا، والتي استعصت على التفسيرات والتحليلات. لمناسبة هذا اللقاء الوديّ، أعلن الخميني أن الثورة الإسلامية «ماضية قدماً حتى تحرير القدس».
بعد ساعات من وصوله، دُعي عرفات إلى اجتماع مع آية الله الخميني دام ساعتين، وفوجئ عرفات للغاية بحدّة انتقاد الخميني للسياسة التي تنتهجها منظمة التحرير الفلسطينية، وبالمحاضرة التي طالعه بها «بشأن ضرورة التخلي عن توجهاته اليسارية والقومية وترسيخ القضية الفلسطينية على جذور إسلامية».
في خطوة لا بدّ أنها أمتعت الزعيمين، سلم الخميني عرفات مفاتيح ما كان سفارة إسرائيلية في طهران، ليصبح مقرّاً للبعثة الديبلوماسية الفلسطينية. وتمّ تعيين كبير المستشارين السياسيين لعرفات، العضو في اللجنة لمركزية لـ «فتح»، هاني الحسن، سفيراً فلسطينياً في طهران، تكريساً للتحالف الوثيق الذي قام بين الجهتين. ووفرت الحكومة الإيرانية الجديدة دعماً مالياً سخياً للمجموعات المعادية لإسرائيل، وصار التلفزيون الإيراني الرسمي يصف عمليات التفجير الانتحارية بـ «العمليات الاستشهادية».
لوحات إعلانية ترفع شعارات صاخبة من نوع «العدالة لفلسطين!» انتشرت في مختلف أرجاء البلاد، وكل مدينة إيرانية كبرى أطلقت اسم «فلسطين» على بعض من ساحاتها العامة وطرقاتها وشوارعها.
عندما زار عرفات إيران مجدّداً في 28 فبراير من عام 1981، حلّ مكان الابتسامة اللمّاحة التي علت شفاه آية الله الخميني، جموع عدائية احتشدت أمام فندق هيلتون احتجاجاً على التخلف الفلسطيني عن دعم إيران في حربها ضدّ العراق.
ظنّ صلاح زواوي، ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في إيران، أن مرحلة إذلال إيران لمنظمة التحرير الفلسطينية قد بلغت حدّها، عندما استعرت نيران الانتفاضة الفلسطينية عام 1987. لقد تعمّد المتحدثون الإيرانيون ووسائل الإعلام الإيرانية التقليل من دور منظمة التحرير الفلسطينية، فيما ضخموا حجم مساهمة «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في إذكاء نار الانتفاضة.
لقد حُسمت العلاقة بالضربة القاضية: يوم أحد في أواخر شهر نوفمبر من عام 1994، اقتحم طلاب ومتظاهرون من الحرس الثوري مقرّ السفارة الفلسطينية، مندّدين بمنظمة التحرير، دام الحصار ست ساعات، احتجز أثناءه السفير وموظفو السفارة كرهائن احتجاجا على توقيع اتفاقية أوسلو.
في بداية التسعينيات، قال لي ابراهيم غوشه، المتحدث باسم «حماس» في الأردن، إن علاقة «حماس» بإيران بدأت بعد وقت قصير من اجتياح العراق للكويت في الثاني من شهر أغسطس من عام 1990، حينها، كانت «حماس» عضواً مشاركاً في وفد يمثل الحركات والمنظمات الإسلامية في عدد من الدول العربية والإسلامية.
في شهر أكتوبر من عام 1991، تلقى غوشه دعوة للمشاركة في مؤتمر أقيم في طهران دعماً للانتفاضة. قال غوشه «لقد عقدنا اجتماعات على أعلى المستويات، ووافقت إيران على أن تفتح «حماس» مكتباً لها في طهران، فعيّن عماد العلمي الذي أبعده الإسرائيليون عن الأراضي الفلسطينية، ممثلاً لنا في العاصمة الإيرانية».
سورية
ترقى العلاقة الوثيقة الجامعة بين «حماس» وسورية إلى بداية التسعينيات، عندما كانت الانتفاضة الأولى لاتزال في مرحلة نشوئها وتحوّلها إلى صراع عسكري شامل.
بالتنسيق مع إيران، عارض الطرفان تفرّد عرفات في عقد اتفاقيات السلام في أوسلو ومدريد، الأمر الذي عمّق أواصر علاقتهما. عدا أن لقاءات عرفات الكثيرة بالرئيس السوري حافظ الأسد كانت، في أفضل الأحوال، فاترة.
ففي شكل عام، كان كل واحد منهما ينظر إلى الآخر بشيء من الريبة، وكان عرفات مقتنعاً بأن سورية تريد أن تحظى بالكلمة الفصل والأخيرة في أي حلّ للقضية الفلسطينية. مازلت أتذكر يوم حضرت للمرّة الأولى وأنا صحافي شاب، اجتماعاً للمجلس الوطني الفلسطيني انعقد في جامعة دمشق عام 1979. كانت تلك من المرات النادرة جدّاً، إن لم تكن الوحيدة، التي حضر فيها الرئيس حافظ الأسد اجتماعاً للمجلس الفلسطيني في المنفى.
في خطابه، أشار الأسد إلى فلسطين على أنها «القسم الجنوبي من سورية»، عرفات الذي ألقى الكلمة الختامية لأعمال المؤتمر، ردّ عليه بشيء من المزاح، مطلقاً على سورية تسمية «القسم الشمالي من فلسطين».
إثر الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982، أخرج عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية من البلاد، بعدما توافرت لهم ضمانات بتأمين سلامتهم، عوض أن يقع اختياره بشكل بديهي على دمشق كمقرّ ينتقل إليه، لما من حضور فلسطيني لافت فيها، اختار عرفات التوجه إلى تونس، حيث يمكنه، بحسب اعتقاده، أن يحافظ على استقلاليته، الأمر الذي أثار امتعاض الرئيس السوري.
عندما قام عرفات لاحقاً بزيارة سورية، آتياً من تونس، تمّ إبلاغه بأنه شخص غير مرغوب به، وطلب منه مغادرة سورية.
لم يكن عرفات معتاداً أن يتعرّض لصفعات ديبلوماسية، رافقه إلى المطار ضابط استخبارات سوري ذو رتبة متواضعة، للتأكد من مغادرته البلاد على وجه السرعة.
في السنوات اللاحقة لـ «أوسلو»، صارت أواصر العلاقات السياسية بين إيران وسورية و«حماس» و«الجهاد الإسلامي» تشتدّ إثر كل هجوم استشهادي تتبناه هذه المجموعات، أو بعد كل عملية عسكرية تعلن مسؤوليتها عنها.
افتتحت «حماس» مكتباً إعلامياً لها في دمشق، وسرعان ما انتقل أعضاء المكتب السياسي في الحركة إلى العاصمة السورية، حيث استأنفوا نشاطهم في إطار «تحالف الفصائل الفلسطينية العشر»، وأخذوا يعقدون الاجتماعات دوريّاً لتنسيق نشاطاتهم والتوصل إلى تفاهم بشأن كيفية مواجهة الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل والسلطة الفلسطينية. وصارت علاقة «حماس» بسورية تزداد صلابة كلما ازداد حجم التأييد لـ «حماس» في الضفة الغربية وغزّة.
الارتباط بـ «القاعدة»
بعيد غروب الشمس ، يوم 24 أبريل 2006، وقعت بشكل متزامن، ثلاثة انفجارات دمّرت مطعم «آل كابون» والمركز التجاري «الغزالة» وجسر مشاة خشبي يرتاده، عند حلول المساء، المتنزهون في منتجع «دهب» البحري في سيناء. انهمرت قطع الركام والأثاث وشظايا الزجاج القاتلة على السياح المرعوبين الجالسين لتناول العشاء أو المتجولين بين محال بيع التذكارات في أسواق «دهب». كانت تلك نهاية ذاك اليوم الهادئ الذي أمضوه في الغطس بين الصخور المرجانية التي يزدان بها خليج العقبة واستحال مساؤه عنفاً وإرهاباً ورعباً.
لاحقا لتحقيقات مكثفة أبدت أجهزة الأمن المصرية عدم ارتياحها إزاء «حماس»، وذلك بسبب الحماية والأمان اللذين وفرتهما «حماس» لبعض المتورطين في هذه الموجة من عمليات التفجير الانتحارية التي استهدفت ما بين عامي 2004 و2006 منتجعات سيناء.
وعبّر رئيس جهاز الاستخبارات المصرية الجنرال عمر سليمان لوزير الداخلية، العضو في «حماس»، سعيد صيام عن انزعاج مصر، في مستهل زيارته إلى القاهرة بعد أسابيع.
عقد اللقاء في 27 مايو 2006 في مكتب سليمان الخاص في مجمع ضخم من الأبنية يشبه مدينة مصغرة، واجه سليمان صيام بوثائق مفصلة عن المؤامرة الكامنة وراء هجمات سيناء. بين الأدلة وردت اعترافات ثلاثة أعضاء من «حماس» اعتقلتهم قوات الأمن المصرية.
قال سليمان لصيام «من جهة، أنتم تطلبون منا أن نساعدكم، بينما من جهة أخرى، أنتم تتدخلون في شؤوننا الداخلية».
كان سليمان مزوّداً بملف حافل بالأدلة التي لا يرقى إليها الشك، يفصل بدقة كيفية تورط أعضاء «حماس»، معدّداً أسماءهم ومحدّداً تحركاتهم. أصيب صيام بالارتباك والخجل. لقد أكدت مصر أنه في أعقاب تفجيرات دهب الثلاثة، تم توقيف ثلاثة أعضاء من «حماس» اعترفوا بارتباطاتهم بالتنظيم الإسلامي المتطرف المعروف بـ «التوحيد والجهاد». منذ ما يعود إلى شهر ديسمبر 2002، ورئيس الوزراء الإسرائيلي آرييل شارون يعلن بأن أفراداً من القاعدة ينشطون في قطاع غزّة، ويتوعّد بأن إسرائيل ستتخذ «جميع الخطوات لحماية نفسها من أي اعتداء». وقال «إننا نعرف بأنهم موجودون هناك. إننا نعرف أنهم موجودون في لبنان ويعملون بشكل وثيق مع حزب الله. إننا نعلم أنهم موجودون في المنطقة.»
ردّاً على تصريحات شارون في ذلك اليوم، قال ياسر عرفات أمام جمع من المراسلين في مقرّه في رام الله في الضفة الغربية: «إنها كذبة كبيرة، كبيرة، كبيرة، كبيرة، لتغطية اعتداءات شارون وجرائمه بحق شعبنا».
عندما قابلته على انفراد إلى مائدة العشاء، شرح لي عرفات بأن «أسامة بن لادن أضرّ بالقضية الفلسطينية أكثر من أي شخص آخر… لولا اعتداءات 11 سبتمبر الإرهابية على الولايات المتحدة، لكان الفلسطينيون أقرب من أي وقت مضى في تاريخهم الحديث، من تحقيق حلمهم بدولة فلسطينية مستقلة».
وتابع كلامه وهو يشكك بصدقية بن لادن، ومشدّداً على أن «ما من تصريح وحيد أو من هجوم حصل ضدّ القوات المحتلة في الضفة الغربية وغزّة، بدلاً عن ذلك، فقد أنفق ثروته على إلحاق الضرر بسمعة العرب والمسلمين في جميع أنحاء العالم بجعلهم مرتبطين بالإرهاب والحقد».
قدّم قائد جهاز الأمن الوقائي الفلسطيني رشيد أبو شباك أدلة مادية إلى الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا تثبت بأن «الشين بيت»، بالتعاون مع أجهزة استخبارات إسرائيلية أخرى، كان متورطاً في عملية تجنيد «دمى» لخلايا القاعدة داخل الأراضي الفلسطينية على مدى أكثر من سنة. في سياق مقابلة أجريتها مع أبو شباك في غزّة في 18 فبراير 2006، وأخرى مكمّلة للأولى عبر الهاتف من لندن، قال لي أبوشباك إن الدول الغربية أبدت اهتماماً بالغاً بهذه المعلومات، «لكنها لم تستطع أن تعد بأي شيء أو أن تتخذ أي إجراء، بما أنه لا يمكنها أن تقف ضد إسرائيل برغم علمها اليقين بأن القصة كاملة هي من صنع إسرائيلي، لكننا أبقينا هذه الدول، طوال مدة الأشهر الستة التي استغرقتها التحقيقات، على اطلاع تام بمجرياتها حتى تمكنا من كشف الحقيقة كاملة».
الدكتور محمود الزهار في مقابلة صحافية أجراها في سبتمبر 2005، أقر بأن «القاعدة» تنشط في غزّة. وأشار المتحدث باسم «حماس» إلى أنه، إضافة إلى هذا الوجود على الأرض، ثمة اتصالات هاتفية أيضاً بين غزّة ومراكز تابعة لـ «القاعدة» في بلدان أخرى. كذلك أفصح رئيس السطة الفلسطينية محمود عباس عن بعض مخاوفه في مقابلة أجرتها معه صحيفة الحياة في لندن في 2 مارس 2006، واعترف في سياقها بأن هناك أدلة على وجود لـ «القاعدة» في الضفة الغربية وغزّة، وبأن هذا «التسرب» «قد يهدد المنطقة برمتها بالخراب».
وما زاد من وقع أقوال أبو مازن مضمون رسالة مصورة للرجل الثاني في «القاعدة» أيمن الظواهري، مدتها ثلاثة وعشرون دقيقة، بثتها محطة الجزيرة التلفزيونية في 3 مارس 2006، ينتقد فيها حركة «حماس» لقبولها الجلوس جنباً إلى جنب مع أعضاء السلطة الفلسطينية الذين اتهمهم بأنهم «باعوا فلسطين» بعقدهم اتفاقيات أوسلو ومدريد للسلام، وبتوقيعهم صفقات مع إسرائيل مخالفة لتعاليم الإسلام، على حدّ قوله.
عن / الجريدة الكويتيه
يتبع بالحلقة القادمة
Entry Filed under: حقائق عن قادة حماس, عملاء وجواسيس وخونة. وسوم: للكاتب/لي, حماس من الداخل..سلسلة حلقات..ال.


























Trackback this post | Subscribe to the comments via RSS Feed